بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الرسول علية أفضل الصلاة و السلام

نسبه الشريف:

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب واسم عبد المطلب شيبة الحمد بن هاشم، واسم هاشم، عمرو بن عبد مناف واسم عبد مناف، المغيرة بن قصي واسم قصي، زيد بن كلاب واسم كلاب، حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، واسم النضر، قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسم مدركة، عامر بن الياس بن مضر، واسم مضر، عمرو بن نزار بن معد بن عدنان.
ونسبه (ص) إلى عدنان متفق عليه وبعد عدنان فيه اختلاف كثير. وكنيته أبو القاسم.

أمه الكريمة:

وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وأمها برة بنت أسد بن عبد العزى، وكان وهب سيد بني زهرة قد خطبها لعبد الله وزوجه بها أبوه عبد المطلب وكان سن عبد الله يومئذ أربعا وعشرين سنة.

حمله المبارك:

لما حملت به أمه قالت: فما وجدت له مشقة حتى وضعته، ثم خرج أبوه عبد الله وأمه حامل به في تجارة له إلى الشام فلما عاد نزل على أخواله بني النجار بالمدينة فمرض هناك ومات ورسول الله (ص) حمل، وقيل كان عمره سنتين وأربعة اشهر وقيل كان عمره سبعة اشهر وقيل شهرين وكان عبد الله فقيرا لم يخلف غير خمسة من الإبل وقطيع غنم وجارية اسمها بركة وتكنى أم ايمن وهي التي حضنت النبي (ص).

مولده الميمون:

ولد (ص) بمكة يوم الجمعة أو يوم الاثنين عند طلوع الشمس أو عند طلوع الفجر أو عند الزوال على اختلاف الأقوال السابع عشر من شهر ربيع الأول على المشهور بين الإمامية وقال الشيخ الكليني لاثنتي عشرة ليلة مضت منه وهو المشهور عند غيرهم. واتفق الرواة على انه (ص) ولد عام الفيل بعد خمسة وخمسين يوما أو خمسة وأربعين أو ثلاثين يوما من هلاك أصحاب الفيل لأربع وثلاثين سنة وثمانية اشهر أو لاثنتين وأربعين سنة مضت من ملك كسرى انوشروان ولسبع بقين من ملكه.

تربيته ونشأته:

كفل النبي (ص) بعد أبيه جده عبد المطلب وقام بتربيته وحفظه احسن قيام ورق عليه رقة لم يرقها على ولده وكان يقربه منه ويدنيه ولا يأكل طعاما إلا أحضره وكان يدخل عليه إذا خلا وإذا نام ويجلس على فراشه فيقول دعوه. ولما صار عمره ست سنين وذلك بعد مجيئه من عند حليمة بسنة أخرجته أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به ومعه أم ايمن تحضنه فبقيت عندهم شهرا ثم رجعت به أمه إلى مكة فتوفيت بالابواء بين المدينة ومكة فعادت به أم ايمن إلى مكة إلى جده عبد المطلب وبقيت تحضنه فبقي في كفالة عبد المطلب من حين وفاة أبيه ثمان سنين. وتوفي عبد المطلب وعمره ثمانون سنة فلما حضرته الوفاة أوصى ولده أبا طالب بحفظ رسول الله (ص) وحياطته وكفالته ولم يكن أبو طالب اكبر اخوته سنا ولا أكثرهم مالا فقد كان الحارث أسن منه، والعباس أكثرهم مالا، لكن عبد المطلب اختار لكفالته أبا طالب لما توسمه فيه من الرعاية الكافية لرسول الله (ص)، ولأنه كان على فقره أنبل اخوته وأكرمهم وأعظمهم مكانة في قريش وأجلهم قدرا فكفله أبو طالب وقام برعايته احسن قيام.
وكان يحبه حبا شديدا لا يحب ولده مثله وكان لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج فيخرج معه وكان يخصه بالطعام وكان أولاده يصبحون شعثا ويصبح رسول الله (ص) كحيلا دهينا وكان أبو طالب توضع له وسادة بالبطحاء يتكئ عليها أو يجلس عليها فجاء النبي (ص) فجلس عليها فقال أبو طالب أن ابن أخي هذا ليحس بنعيم وخرج به معه إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة بعد ما عزم على إبقائه بمكة لكنه أبى إلا أن يصحبه معه حتى بلغ به بصرى، ولم يزل أبو طالب يكرمه ويحميه وينصره بيده ولسانه طول حياته.
وشهد الفجار وهو ابن عشرين سنه، والفجار من حروب العرب المشهورة كانت بين قيس وبين قريش وكنانة، قال رسول الله (ص) حضرته مع عمومتي ورميت فيه باسهم وما احب أني لم اكن فعلت.
وسميّت الفجار لأنها وقعت في الأشهر الحرم.
وحضر حلف الفضول، وكان لدى منصرف قريش من حرب الفجار، وكان اشرف حلف في حينه وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فتعاقدوا وتعاهدوا بالله لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه،، وعلى التأسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ولا يعلم أحد سبق بني هاشم بهذا الحلف قال رسول الله (ص) ما احب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم ولو دعيت به لأجبت.

زواجه بخديجة:

وخرج (ص) إلى الشام في تجارة لخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة مع غلامها ميسرة وكانت خديجة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في تجارتها ولما علم أبو طالب بأنها تهيئ تجارتها لإرسالها إلى الشام مع القافلة قال له: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وقد بلغني أن خديجة استأجرت فلانا ببكرين ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته فهل لك أن أكلمها؟ قال ما أحببت، فقال لها أبو طالب: هل لك أن تستأجري محمدا فقد بلغنا انك استأجرت فلانا ببكرين ولسنا نرضى لمحمد دون أربعة بكار، فقالت لو سالت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألته لحبيب قريب، فقال له أبو طالب: هذا رزق وقد ساقه الله إليك، فخرج (ص) مع ميسرة بعد أن أوصاه أعمامه به وباعوا تجارتهم وربحوا أضعاف ما كانوا يربحون وعادوا فسرت خديجة بذلك ووقعت في نفسها محبه النبي (ص) وحدثت نفسها بالتزوج به وكانت قد تزوجت برجلين من بني مخزوم توفيا وكان قد خطبها أشراف قريش فردتهم فتحدثت بذلك إلى أختها أو صديقة لها اسمها نفيسة بنت منية، فذهبت إليه وقالت: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما أتزوج به، قالت: فان كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة الا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قالت: خديجة، قال: كيف لي بذلك، قالت: عليّ ذلك، فأجابها بالقبول وخطبها إلى عمها أو أبيها وحضر مع أعمامه فزوجها به عمها لان أباها كان قد مات وقيل زوجها أبوها واصدقها عشرين بكرة وانتقل إلى دارها وكان ذلك بعد قدومه من الشام بشهرين وأيام وعمرها أربعون سنة، وكانت امرأة حازمة جلدة شريفة آمنت برسول الله (ص) أول بعثته وأعانته بأموالها على تبليغ رسالته وخففت من تألمه لخلاف قومه.
وقد جاء انه إنما قام الإسلام بأموال خديجة وسيف علي بن أبي طالب ولذلك كان رسول الله (ص) يرى لها المكانة العظمى في حياتها وبعد وفاتها التي كان لا يراها لواحدة من أزواجه.

أبناؤه:

1 ـ القاسم: وبه كان يكنى عاش حتى مشى ومات بمكة.
2 ـ عبد الله: ويلقب بالطيب والطاهر لولادته بعد الوحي ولد بمكة بعد الإسلام ومات بها وبعضهم يعد الطيب والطاهر اثنين.
3 ـ فاطمة: وهي صغرى بناته تزوجها علي (ع) بعد الهجرة.
4 ـ زينب: وهي كبراهن تزوجها قبل الإسلام أبو العاص.
5 ـ رقية.
6 ـ أم كلثوم.
وأم الكل خديجة.
7 ـ إبراهيم بن مارية القبطية ولد بالمدينة ومات وهو ابن ثمانية عشر شهراً.

سيرته:

كان النبي (ص) احكم الناس وأحلمهم وأشجعهم وأعدلهم وأعطفهم وأسخاهم، لا يثبت عنده دينار ولا درهم ولا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من يسير ما يجد من التمر والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، ثم يعود إلى قوت عامه، فيؤثر منه حتى ربما احتاج قبل انقضاء العام، أن لم يأته شيء وكان يجلس على الأرض وينام عليها ويخصف النعل ويرقع الثوب ويفتح الباب ويحلب الشاة ويعقل البعير ويطحن مع الخادم إذا أعيى (تعب) ويضع طهوره (ماءه الذي يتوضأ به) بالليل بيده ولا يجلس متكئا ويخدم في مهنة أهله ويقطع اللحم ولم يتجشأ قط، وكان يقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويأكلها ولا يأكل الصدقة ولا يثبت بصره في وجه أحد، وكان يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ويأكل ما حضر ولا يرد ما وجد ولا يلبس ثوبين بل يلبس بردا حبرة يمنية وشملة وجبة صوف والغليظ من القطن والكتان واكثر ثيابه البياض، ويلبس القميص من قبل ميامنه وكان له ثوب للجمعة خاصة، وكان إذا لبس جديدا أعطى خلق ثيابه (قديمها) مسكينا وكان يلبس خاتم فضة في خنصره الأيمن، ويكره الريح الردية ويستاك عند الوضوء ويردف خلفه عبده أو غيره (يركبه خلفه على دابته) ويركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار ويركب الحمار بلا سرج ويمشي راجلا ويشيع الجنائز ويعود المرضى في أقصى المدينة يجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ويناولهم بيده ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم ويتألف أهل الشر بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على غيرهم، إلا بما أمر الله ولا يجفو على أحد، ويقبل معذرة المعتذر إليه وكان اكثر الناس تبسما ما لم ينزل عليه القرآن وربما ضحك من غير قهقهة لا يرتفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا في ملبس، وما شتم أحدا بشتمةٍ ولا لعن امرأة ولا خادما بلعنةٍ ولا لاموا أحدا إلا قال دعوه، ولا يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه في حاجته ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يغفر ويصفح، ويبدأ من لقيه بالسلام وإذا لقي مسلما بدأه بالمصافحة وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته واقبل عليه وقال ألك حاجة؟ وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك وكان اكثر ما يجلس مستقبل القبلة وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط له ثوبه ويؤثر الداخل بالوسادة التي تحته وكان في الرضى والغضب لا يقول إلا حقا وكان يأكل القثاء بالرطب والملح وكان احب الفواكه الرطبة إليه البطيخ والعنب واكثر طعامه الماء والتمر وكان يشرب اللبن بالتمر ويسميهما الاطيبين وكان احب الطعام إليه اللحم ويأكل الثريد باللحم وكان يحب القرع وكان يأكل لحم الصيد ولا يصيده وكان يأكل الخبز والسمن وكان يحب من الشاة الذراع والكتف ومن الصباغ الخل ومن التمر العجوة ومن البقول الهندباء وكان يمزح ولا يقول إلا حقا.

بناء الكعبة:

بنيت الكعبة وهو ابن خمس وثلاثين سنة وكانت قد تصدعت من السيل فخافت قريش من هدمها ثم أقدمت عليه فلما بلغ البناء موضع الحجر الأسود اختلفت بينها فيمن يضعه في مكانه وكل قبيلة أرادت ذلك لنفسها حتى كادت أن تقع الفتنة ثم رضوا بحكم النبي (ص) فحكم أن يوضع الحجر في ثوب ويحمل أطرافه من كل قبيلة رجل فرضوا بذلك ثم أخذه من الثوب ووضعه في مكانه.

مواعظه:

نصر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها فكم من حامل فقه إلى من هو افقه منه، ثلاثة لا يغل عليها قلب عبد مسلم، إخلاص العمل لله والنصيحة لائمة المسلمين واللزوم لجماعتهم، فان دعوتهم محيطه من ورائهم، المسلمون اخوة تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم.
ومن خطبة له (ص) يذكر فيها شهر رمضان:
أيها الناس قد اقبل إليكم شهر رمضان بالبركة والرحمة والمغفرة شهره ابرك الشهور وأيامه افضل الأيام ولياليه افضل الليالي وساعاته افضل الساعات وقد دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه مناهل كرامته أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فالشقي من حرم غفران الله فيه، فاذكروا بجوعكم وعطشكم، جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقروا كباركم وارحموا صغاركم وصلوا أرحامكم وغضوا عما لا يحل النظر إليه، أبصاركم وعما لا يحل الاستماع إليه، أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس، يتحنن الله على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها افضل الساعات، ينظر الله عباده فيها بالرحمة، ويجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيها الناس من حسن في هذا الشهر خلقه، كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام ومن خفف فيه عما ملكت يمينه، خفف الله حسابه، ومن كف فيه شره، كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه، وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة، كتب له براءة من النار، ومن أدى فيه فرضا، كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن كثر فيه من الصلاة ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن، كان له اجر من ختم القرآن في غيره، ألا إن أبواب الجنة مفتحة فيه أسالوا ربكم أن لا يغلقها عنكم وأبواب النار مغلقة فأسالوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فأسالوا ربكم أن لا يسلطها عليكم.

حجة الوداع:

قال ابن هشام سميت بذلك لأنه لم يحج بعدها وقيل لأنه ودع فيها الناس وأعلمهم بدنو اجله، قال ابن سعد في الطبقات: وهي التي يسميها الناس حجة الوداع وكان المسلمون يسمونها حجة الإسلام وكان ابن عباس يكره أن يقال حجة الوداع ويقول حجة الإسلام ولم يحج غيرها منذ تنبأ. ولو قال منذ هاجر لكان صوابا فانه (ص) لم يحج بعد الهجرة غيرها وإنما أراد الاعتمار عام الحديبية فصُد ثم اعتمر عمرة القضاء واعتمر يوم حنين ولم يحج أما قبل الهجرة فقد حج (ص) حجتين يقينا وهما اللتان بايع فيهما الأنصار عند العقبة.

خطبته في حجة الوداع:

وكانت يوم العيد بمنى، رواها ابن عبد ربه في العقد الفريد، والحسن بن علي بن شعبة الحلبي، في تحف العقول وغيرهما.
الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله أحثكم على طاعة الله واستفتح بالذي هو خير. أما بعد: أيها الناس اسمعوا مني ما أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا أيها الناس أن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. إلا هل بلغت ؟ اللهم اشهد . فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها، وان ربا الجاهلية موضوع، وان أول ربا أبدا به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وان دماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أبدا به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وان مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، ففيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس! أن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس ! إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، وان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحد فرد، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان. إلا هل بلغت ؟ اللهم اشهد ! أيها الناس ! أن لنسائكم عليكم حقا وان لكم عليهن حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه لبيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فان فعلن فان الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن، ضربا غير مبرح، فان انتهين أطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا. إلا هل بلغت ؟ اللهم اشهد ! أيها الناس ! المؤمنون اخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفسه. إلا هل بلغت ؟ اللهم اشهد ! فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض!!! فإني قد تركت فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي. إلا هل بلغت ؟ اللهم اشهد ! أيها الناس أن ربكم واحد وان أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، أن أكرمكم عند الله اتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. إلا هل بلغت ؟ قالوا: نعم ، قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب! أيها الناس : أن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصيةٌ في اكثر من الثلث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حديث الغدير:

لما قضى رسول الله (ص) مناسكه قفل راجعا إلى المدينة فوصل إلى الموضع المعروف بغدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة وهو مكان قريب من الجحفة، قال الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد: وليس بموضع إذ ذاك يصلح للنزول لعدم الماء فيه والمرعى فنزل به ونزل المسلمون معه قال وكان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) خليفة في الأمة من بعده، وقد كان تقدم الوحي إليه في ذلك من غير توقيت فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه وعلم الله عز وجل انه أن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلدانهم وبواديهم فأراد الله أن يجمعهم لسماع النص عليه وتأكيد الحجة عليهم فيه فانزل الله تعالى عليه: ((يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك))، يعني في استخلاف علي والنص بالإمامة عليه، ((وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس))، فأكد الفرض عليه بذلك وخوفه من تأخير الأمر فيه وضمن له العصمة ومنع الناس منه، فنزل بذلك المكان ونزل المسلمون حوله، وكان يوما قائظا شديد الحر فأمر بدوحات هناك فقم ما تحتها وأمر بجمع الرحال ووضع بعضها فوق بعض ثم أمر مناديه فنادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا من رحالهم إليه وان أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شده الحر فلما اجتمعوا صعد على تلك الرحال حتى صار في ذروتها ودعا أمير المؤمنين (ع) فرقى معه حتى قام عن يمينه ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ووعظ فابلغ في الموعظة ونعى إلى الأمة نفسه وقال:
إني قد دعيت ويوشك أن أجيب وقد حان مني خفوق من بين أظهركم وإني مخلف فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ثم نادى بأعلى صوته: الست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا: اللهم بلى، فقال لهم: (و قد اخذ بضبعي أمير المؤمنين (ع) فرفعهما حتى بان بياض إبطيهما) فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.
ثم نزل وكان وقت الظهيرة فصلى ركعتين ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الظهر فصلى بهم الظهر وجلس في خيمته وأمر عليا أن يجلس في خيمة له بازائه وأمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنئوه بالمقام ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين ففعل الناس ذلك كلهم وأمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين ممن معه أن يدخلن عليه ويسلمن عليه بإمرة المومنين ففعلن، وكان فيمن أطنب في تهنئته بالمقام، عمر بن الخطاب واظهر له المسرة به وقال فيما قال: بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وجاء حسان بن ثابت، فقال: يا رسول الله، ا تأذن لي آن أقول في هذا المقام ما يرضاه الله؟ فقال له: قل يا حسان على اسم الله، فوقف على نشز من الأرض وتطاول المسلمون لسماع كلامه فانشا يقول:

يناديهم يوم الغدير نبيهـم . . . بخم واسمع بالرسول مناديـا
وقال فمن مولاكم ووليكم . . . فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت ولينا . . . ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا
فقال له قم يا علي فإننـي . . . رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه . . . فكونوا له أنصار صدق مواليـا
هناك دعا اللهم وال وليه . . . وكن للذي عادى عليا معاديـا

فقال له رسول الله (ص): لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.

جيش أسامه:

لما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة أمر (ص) الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك فاوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فاغر صباحا وأسرع السير تسبق الأخبار فان أظفرك الله فأقل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع أمامك.
فلما كان يوم الأربعاء بدا برسول الله (ص) المرض فحُم وصدع، فلما اصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال: اغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله فخرج وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة، فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن وقاص وسعيد بن زيد وغيرهم، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين!!!، فغضب رسول الله (ص) غضبا شديدا فخرج وقد عصب على رأسه عصابة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في أميري أسامة ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيم الله أن كان للإمارة لخليقا وان ابنه من بعده لخليق للإمارة.
ثم نزل فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وثقل رسول الله (ص) فجعل يقول: أنقذوا بعث أسامة!، وروى ابن هشام في سيرته أن رسول الله (ص) أستبطأ الناس في بعث أسامة وهو في وجعه فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقال: انفذا بعث أسامة، ثم نزل وانكمش الناس في جهازهم.
ثم قال ابن سعد في روايته بسنده عن عروة بن الزبير: فجعل أسامة وأصحابه يتجهزون وقد عسكر بالجرف، فاشتكى رسول الله (ص) وهو على ذلك ثم وجد من نفسه راحة فخرج عاصبا رأسه فقال: أيها الناس انفذا بعث أسامة، ثلاث مرات.
و روى ابن سعد بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص): إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وان اللطيف الخبير اخبرني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.
وقد اتفق المسلمون جميعا على أن رسول الله (ص) خرج إلى المسجد في حالة شديدة من المرض والضعف حتى انه لا يكاد يستقل ولا ينقل قدميه بل اعتمد على رجلين ورجلاه تخطان الأرض خطا وصلى جالسا، فان كان يريد بذلك تأييد أبي بكر، فقد عينه للصلاة وصلى الناس خلفه ولو لم يخرج لكان اشد تأييدا له، لأنه بخروجه وقعت الشبهة في انه لعله لم يرض بتقدمه.
وما يقال من ائتمام الناس بأبي بكر وائتمامه هو بالنبي (ص) يوجب أن يكون إماما ومأموما في وقت واحد، وهذا غير جائز في الشرع، ولِمَ لم يتركه إماما إلى آخر الصلاة؟!
قال المفيد: فلما سلم انصرف إلى منزله واستدعى أبا بكر وعمر وجماعة ممن حضر بالمسجد من المسلمين ثم قال: ألم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: فلم تأخرتم عن أمري؟ قال أبو بكر: إني خرجت ثم رجعت لأجدد بك عهدا، وقال عمر: يا رسول الله إني لم اخرج لأني لم احب أن اسأل عنك الركب، فقال النبي (ص): انفذا جيش أسامة، يكررها ثلاث مرات، ثم أغمي عليه من التعب الذي لحقه والأسف، فمكث هنيهة مغميا عليه وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ونساء المسلمين وجميع من حضر من المسلمين.

وصية النبي لأمته:

اتفق المسلمون جميعا على أن رسول الله (ص) خرج إلى المسجد في حالة شديدة من المرض والضعف حتى انه لا يكاد يستقل ولا ينقل قدميه بل اعتمد على رجلين ورجلاه تخطان الأرض وصلى جالسا.
قال المفيد: فلما سلم انصرف إلى منزله ،استدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر بالمسجد من المسلمين ثم قال: ألم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: فلم تأخرتم عن أمري؟ قال أبو بكر: إني خرجت ثم رجعت لأجدد بك عهدا، وقال عمر: يا رسول الله إني لم اخرج لأني لم احب أن اسأل عنك الركب، فقال النبي (ص): انفذا جيش أسامه! يكررها ثلاث مرات، ثم أغمي عليه من التعب الذي لحقه والأسف، فمكث هنيهة مغميا عليه وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ونساء المسلمين وجميع من حضر من المسلمين، فأفاق رسول الله (ص) فنظر إليهم ثم قال: ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، ثم أغمي عليه فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفا، فقال له عمر: ارجع فانه يهجر، فرجع.
وندم من حضر على ما كان منهم من التضييع في إحضار الدواة والكتف وتلاوموا بينهم وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون لقد أشفقنا من خلاف رسول الله (ص) فلما أفاق قال بعضهم: إلا نأتيك بدواة وكتف يا رسول الله؟ فقال: ابعد الذي قلتم؟، لا ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيرا واعرض بوجهه عن القوم فنهضوا.

وفاته (ص):

وكانت وفاته (ص) يوم الاثنين على المشهور بين العلماء عند الزوال لليلتين بقيتا من صفر عند اكثر الإمامية، وكان عمره ثلاث وستون سنة، قال علي (ع): أوصى النبي (ص) أن لا يغسله أحد غيري، فكان الفضل وأسامة، يناولانني الماء من وراء الستر وهما معصوبا العين، فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى عليه وحده لم يشركه معه أحد في الصلاة عليه.
وكان المسلمون في المسجد يخوضون فيمن يؤمهم في الصلاة عليه وأين يدفن فخرج إليهم أمير المومنين (ع) وقال لهم: أن رسول الله إمامنا حيا وميتا فليدخل عليه فوج بعد فوج منكم فيصلون عليه بغير إمام وينصرفون، وان الله لم يقبض نبيا في مكان إلا وقد ارتضاه لرمسه فيه، وإني لدافنه في حجرته التي قبض فيها، فسلم القوم لذلك ورضوا به.
و لما صلى المسلمون عليه انفذ العباس بن عبد المطلب برجل إلى أبي عبيدة بن الجراح وكان يحفر لأهل مكة ويضرح، وكان ذلك عادة أهل مكة وانفذ إلى زيد بن سهيل وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد فاستدعاهما وقال: اللهم خر لنبيك، فوجد أبو طلحة زيد بن سهل فقيل له: احفر لرسول الله، فحفر له لحدا ودخل أمير المؤمنين والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وأسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله (ص) فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي أنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله (ص) أن يذهب، ادخل منا رجلا يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله (ص)، فقال: ليدخل اوس بن خولي، وكان بدريا فاضلا من بني عوف من الخزرج، فلما دخل قال له علي (ع): انزل القبر فنزل ووضع أمير المؤمنين رسول الله (ص) على يديه ودلاه في حفرته فلما حصل في الأرض قال له: اخرج فخرج ونزل علي (ع) القبر فكشف عن وجه رسول الله (ص) ووضع خده على الأرض موجها إلى القبلة على يمينه ثم وضع عليه اللبن وأهال عليه التراب وربع قبره وجعل عليه لبنا ورفعه من الأرض قدر شبر.
و روي قدر شبر وأربع أصابع وظاهر المفيد أن دفنه (ص) كان في اليوم الذي توفي فيه ولم يحضر دفنه (ص) اكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك.

 

 

عوده