بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الإمام على بن محمد الهادي عليه السلام

 

عصارة من تاريخ حياة الإمام (عليه السلام):

 

يعدّ الإمام أبو الحسن عليّ الهادي (عليه السلام) الإمام العاشر للشّيعة، وقد ولد في منتصف شهر ذي الحجة سنة «212» هجريّة(1) في محلّ واقع في أطراف المدينة يسمّى «صريا»(2)، وأبوه هو الإمام التاسع الجواد (عليه السلام) وأمّه هي السيّدة الجليلة «سمانة» وكانت أمة ذات فضيلة وتقوى(3).

 

وأشهر ألقاب الإمام العاشر هو «الهادي» و«النّقي». ويُسّمى أيضاً بـ«ابي الحسن الثّالث»(4). (في اصطلاح رواة الشّيعة أبو الحسن الأوّل هو الإمام السّابع موسى بن جعفر وأبو الحسن الثّاني هو الإمام الثّامن علي بن موسى الرّضا(عليهم السلام)).

 

وقد استلم الإمام الهادي (عليه السلام) منصب الإمامة سنة «220» هجرية وذلك بعد استشهاد والده الكريم وقد كان عمره الشّريف آنذاك ثمانية أعوام. واستمرّت فترة إمامته ثلاثاً وثلاثين سنة، وعمّر واحداً وأربعين عاماً وعدّة شهور وفي سنة «245» هجرية استشهد سلام الله عليه.

 

وقد نقل من شاهد الإمام (عليه السلام): انّه كان متوسّط القامة وذا وجه ابيض اللّون مشرّباً بحمرة وذا عيون كبيرة وحواجب واسعة، واسارير وجهه تبعث على الفرح والسّرور(5).

 

وقد عاصر خلال حياته سبع حكومات من الخلفاء العبّاسيّين، فكان قبل إمامته معاصراً للمأمون والمعتصم اخ المأمون، وفي أثناء إمامته عاصر ما تبقّى من حكومة المعتصم، وحكومة الواثق ابن المعتصم، والمتوكّل أخ الواثق، والمنتصر ابن المتوكّل، والمستعين ابن عمّ المنتصر، والمعتزّ وهو الابن الآخر للمتوكلّ. ثمّ استشهد في عصر المعتزّ(6).

 

وفي أثناء حكم المتوكّل جاءوا بالإمام (بأمر من هذا الطّاغية) من المدينة الى سامراء الّتي كانت آنذاك مركز حكم العبّاسيّن، وأقام فيها الإمام الى آخر عمره الشّريف(7).

 

وأبناء الإمام (عليه السلام) هم: الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (عليه السلام)، والحسين ومحمّد وجعفر وبنت واحدة تُسّمى « عليّة »(8).

--------------------------------------------------------------------------------

 

(1)و(2)و(3) ـ أعلام الورى: ص 355، إرشاد المفيد للمفيد: ص 307

 

(4) ـ أعلام الورى: ص 355.

 

(5) ـ منتهى الامال: ص 243.

 

(6) و(7) ـ أعلام الورى: ص 355، إرشاد المفيد: ص 307، تتّمة المنتهى : ص 201 ـ 208.

 

(8) ـ أعلام الورى: ص 366.

 

سلوك الخلفاء:

 

انّ استمرار النّضال والمعارضة من أهل بيت النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للخلفاء الغاصبين الظّالمين يعتبر من الصفّحات الدّمويّة المليئة بالفخر والاعتزاز من تاريخ الإسلام والتّشيّع. فأئمّتنا الكرام عليهم الصّلاة والسّلام كانوا مغضبين للحكّام المستبدّين واذنابهم الظّالمين بما يتميزّون به من مواقف صُلبة غير متخاذلة أزاء الظّلم، ومن مواقف شجاعة في الدّفاع عن الحقّ والعدالة، ولمّا كان الخلفاء الغاصبون يعلمون انّ أئمّة الشّيعة ينتهزون كلّ فرصة لهداية النّاس واحقاق الحقّ والدّفاع عن المظلوم والوقوف في وجه الظّلم والفساد فانّهم كانوا يشعرون بالخطر الجسيم يهدّدهم من جانب هذه الجماعة الّتي كرّست كلّ جهودها للهداية والإرشاد والصّمود.

 

والخلفاء العبّاسيون (الّذين حلّوا محلّ الخلفاء الأمويّين الظّلمة بالتّآمر والخداع وحكموا النّاس باسم الخلافة الإسلاميّة) هم كأسلافهم الغاصبين لم يدّخروا جهداً لقمع أهل بيت النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتلويث سمعتهم، وحاولوا بكلّ ما أوتوا من قوّة ان يشوّهوا الصّورة النقيّة لقادة المسلمين الحقيقيّين ويسقطوهم عن منزلتهم الرّاقية، واستعملوا الدّسائس المختلفة لأبعاد أولئك الكرام عن مقام قيادة النّاس ومحو حبّ الأمّة لهم...

 

وحِيَل المأمون العبّاسيّ للوصول الى هذا الهدف وخططه الجهنّميّة لإظهار حكومته بمظهر الشّرعيّة والقانونية واستلام منصب القيادة واخفاء شمس الإمامة، ليست مخفيّة على المطّلعين على تاريخ الأئمة(عليهم السلام) والخلفاء، وقد أشرنا الى بعض جوانب هذا الموضوع خلال دراستنا لحياة الإمام الثّامن والإمام التّاسع (عليهما السلام).

 

فبعد المأمون استمرّ المعتصم العبّاسيّ في نفس تلك الخطط والمؤامرات الّتي كان ينفذها سلفه في أهل بيت النّبوّة والإمامة ومن هنا فقد استقدم الإمام الجواد (عليه السلام) من المدينة الى بغداد وجعله تحت المراقبة الشّديدة ثمّ بالتّالي أدّى به الى القتل، وسجن أيضاً بعض العلويّين بذريعة انّهم لم يرتدوا الملابس السّوداء (وهي الملابس الرّسميّة للعبّاسيّين) حتّى ماتوا في السّجن (أو قتلهم)(1).

 

وقد مات المعتصم في سامرّاء عام «227» هجري(2)، فحلّ محلّه في الحكم ابنه الواثق، واقتفى اثر ابيه المعتصم وعمّه المأمون.

 

وكان الواثق مثل سائر الخلفاء المتظاهرين بالإسلام مرفّهاً وشرّاباً للخمر، وكان مفرطاً في هذه المجالات بحيث كان يلجأ لتناول بعض العقاقير الخاصّة لتوفّر له امكانية الاستمرار في لذّاته، وكانت هذه العقاقير هي التي أدّت به في نهاية الأمر الى الموت(3)فمات في سامرّاء سنة «232» هجريّة.

 

وسلوك الواثق مع العلويّين لم يكن قاسياً ولهذا السّبب تقاطر العلويّون وآل أبي طالب على سامرّاء في زمانه واجتمعوا فيها وقد عاشوا في رفاه نسبي خلال تلك الفترة، ولكنّهم تفرقوا خلال حكم المتوكّل(4).

 

وبعد الواثق جاء أخوه المتوكّل وأصبح خليفة، ويعتبر من اكثر الحكّام العبّاسيّين انحطاطاً وسقوطاً وأشدّهم جريمة، وقد عاصر الإمام الهادي (عليه السلام) المتوكّل اكثر من سائر الخلفاء العبّاسيّين، واستمرّت فترة معاصرته له اكثر من أربعة عشر عاماً كانت هذه الفترة الطّويلة من أصعب وأقسى السّنين في حياة هذا الإمام الكريم واتباعه المخلصين، وذلك لانّ المتوكّل كان من اكثر خلفاء بني العبّاس كفراً وكان رجلاً خبيثاً وساقطاً، وكان قلبه مملوءاً بالحقد والعداوة لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) وأهل بيته الكرام وشيعته، وقد واجه العلويّون في ظلّ حكومته القتل أو دسّ السّم أوانّهم فرّوا وتواروا عن الانظار(5).

 

وكان المتوكّل يحثّ النّاس (بواسطة نقل أحلام له ورؤى كاذبة) على اتّباع «محمّد بن إدريس الشّافعي» الّذي كان ميّتاً في زمانه(6). وكان هدفه من هذا هو صرف النّاس عن اتبّاع الأئمة (عليهم السلام).

 

وفي سنه «236» هجرية أمر بهدم قبر سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وهدم ما حوله من الدّور وان يعمل مزارع، ومنع النّاس من زيارته، وخُرّب وبقي صحراء(7).

 

وكان خائفاً من ان يغدو قبر الإمام الحسين (عليه السلام) قاعدة ضدّه، ومن ان يصبح نضاله واستشهاده (عليه السلام) ملهماً لتحرك ونهوض شعبيّ في مقابل ظلم خلافته، اِلاّ انّ الشّيعة ومحبيّ سيّد الشّهداء لم يكفّوا إطلاقاً وتحت أي ظرف من الظّروف عن زيارة تلك البقعة الطّاهرة، حتّى انّه قد نُقل انّ المتوكّل قد هدّم ذلك القبر الشّريف سبع عشرة مرّة، وهدّد الزّائرين بمختلف التّهديدات وجعل مخفرين للمراقبة في أطراف القبر، ومع كلّ هذه الجرائم فانّه لم يفلح في صرف النّاس عن زيارة سيّد الشّهداء، فقد تحمّل الزّائرون مختلف أصناف التّعذيب والإيذاء وواصلوا الزّيارة(8). وبعد قتل المتوكّل عاد الشّيعة بالتّعاون مع العلويّين لتعمير وإعادة بناء قبر الإمام الحسين (عليه السلام)(9).

 

وقد أغضب المسلمين هدمُ قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، فراح أهل بغداد يكتبون الشّعارات المضادّة للمتوكّل على الجدران وفي المساجد، ويهجونه بواسطة الشّعر. وهذه الابيات من الشّعر من جملة الهجاء الّذي قيل في ذلك الطّاغية المستبدّ:

 

«بالله ان كانت أميّة قد أتت                 قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

 

فـلقد أتـاه بنو أبيه بمثله                       هذا لعمري قبرُه مهدوما

 

أسفوا على ان لا يكونوا شاركوا      في قتله فتتبّعوه رميما»(10)

 

أجل ان النّاس الّذين لا تمتّد أيديهم الى وسائل إعلام عصرهم ويرون المنابر والمساجد والاجتماعات والخطب في أيدي عملاء السّلطة العبّاسيّة يعبّرون عن غضبهم واعتراضهم بهذة الصّورة.

 

وقد استغلّ الشّعراء الملتزمون الّذين يشعرون بالمسؤولية ما لديهم من فنّ وقريحة فأنشدوا قصائد ضدّ المتوكّل ونبهوا النّاس على جرائم بني العبّاس، وفي المقابل فانّ المتوكّل لم يتورّع عن ارتكاب أيّ جريمة في سبيل اسكات الأصوات المعترضة والمخالفة، وكان يقمع بعنف العلماء والشّعراء وسائر الفئات الّتي عجز عن تطويعها وإخضاعها للتّعاون معه والاستسلام له وكان يعرّضها للقتل بأفجع الصّور.

 

فمثلاً يعقوب بن السّكيّت (وهو شاعر واديب شيعيّ مشهور بحيث يطلق عليه انّه الإمام في العربيّة) ندبه المتوكّل الى تعليم ولديه: «المعتزّ» و«المؤيّد»، فنظر المتوكّل يوماً الى ولديه وقال لابن السّكّيت: من احبّ اليك هما أو الحسن والحسين ؟ فقال ابن السّكيّيت: قنبر ـ يعني مولى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ـ خير منهما !

 

فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات، وقيل أمر بسلّ لسانه فمات(11). (رضوان الله تعالى عليه).

 

وقد اطلق المتوكّل يديه في نهب بيت مال المسلمين كسائر الخلفاء، وكان مسرفاً كما كتب المؤرّخون في تاريخ حياته، حيث بنى القصور المتعدّدة والمتنوّعة، وأنفق على «برج المتوكّل» (الّذي لا يزال قائماً اليوم في سامرّاء) مليوناً وسبعمائة ألف دينار من الذّهب !...(12).

 

ومن المؤلم حقّاً انّه الى جانب هذا الإسراف والتّبذير يعيش العلويّون وأهل بيت النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضيق وعسر بحيث انّ «طائفة من النّساء العلويّات في المدينة ما كن يملكن ملابس كاملة تتيسّر فيها إقامة الصّلاة وإنّما كان لديهنّ ثوب رثّ بال يتعقبن عليه أثناء أداء الصّلاة ويعتمدن في امرار المعاش على الخياطة، واستمرت هذه الصّعوبة والضيق معهنّ حتى مات المتوكّل»([13]). وحقد المتوكّل وعداؤه لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) قد دفعه الى سقوط ورذالة لا تُصدّق، حيث كان المتوكّل يأنس الى النّواصب وأعداء أهل البيت وقد اصدر أوامره لأحد المضحكين والمثرثرين ان يسخر ويستهزأ في مجلسه بأمير المؤمنين (عليه السلام) بصورة مخجلة، والمتوكّل يتفرّج على طريقة أدائه وأطواره ويشرب الخمر ويقهقه قهقهة السّكارى !(14)

 

وصدور مثل هذه الأعمال من المتوكّل ليس بالأمر العجيب وإنّما الغريب والمؤلم هو وضع الّذين ينصّبون أمثال هذه الخنازير المنحطّة الوسخة حكاماً ويعدّونهم خلفاء للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن جملة اولي الأمر للمسلمين، ويشيحون بوجوههم عن الإسلام الحقيقي وأهل بيت نبيّه الطّاهرين ويتّبعون أمثال هؤلاء الخلفاء ! أسفاً على الإنسان كيف ينحدر في الضّلال الى هذه المستويات.

 

أجل انّ جنون المتوكّل في الايذاء والجريمة قد بلغ الذّروة حتّى انّه في بعض الاحيان كان هو بنفسه يعترف بذلك !

 

يقول الفتح بن خاقان (وهو وزيره):

 

دخلت يوماً على المتوكّل فرأيته مطرقاً متفكّراً فقلت: يا أمير المؤمنين ! ما هذا الفكر ؟ فوالله ما على ظهر الارض أطيب منك عيشاً ولا أنعم منك بالاً. فقال: يا فتح أطيب عيشاً منّي رجل له دار واسعة وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة لا يعرفنا فنؤذيه ولا يحتاج الينا فنزدريه...!!(15)

 

وقد بلغ ايذاء المتوكّل وتعذيبه لاهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الحدّ الّذي كان يعذّب فيه النّاس ويعاقبهم بذنب المحبّة والاتّباع للأئمة الكرام، ولهذا فقد أصبح الأمر صعباً جدّاً على أهل بيت الطّهارة.

 

وعيّن المتوكّل عمر بن فرح الرخجي والياً على مكة والمدينة، وكان يكفّ النّاس عن الإحسان الى آل أبي طالب ويتشدّد كثيراً في هذا الأمر فامتنع النّاس خوفاً على أنفسهم عن بذل الرّعاية والحماية للعلويّين وأمست الحياة صعبة جدّاً على أهل بيت أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)...(16).

--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) ـ مقاتل الطالبين: ص 589.

 

(2) ـ المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 34.

 

(3) ـ تتمة المنتهى : ص 229 ـ 231.

 

(4) ـ مقاتل الطالبين: ص 593.

 

(5) ـ مقاتل الطالبين: ص 597 ـ 632.

 

(6) ـ تاريخ الخلفاء: ص 351 ـ 352.

 

(7) ـ تاريخ الخلفاء: ص 347.

 

(8) ـ مقاتل الطالبيين: ص 597 ـ 599، تتمة المنتهى: ص 240 فما بعد.

 

(9) ـ مقاتل الطالبين: ص 599.

 

(10) ـ تاريخ الخلفاء: ص 347.

 

(11) ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 348 ـ ثتمة المختصر في أخبار البشر: ج 1 ص 342 ـ المختصر في أخبار البشر: ج 2 ص 41 (وهناك أقوال اخرى مذكورة في كيفية استشهاده ).

 

(12) ـ تاريخ اليعقوبي: ص 491.

 

(13) ـ تتمة المنتهى: ص 238.

 

(14) ـ تتمة المختصر في أخبار البشر: ج 1 ص 338.

 

(15) ـ تاريخ الخلفاء: ص 353.

 

(16) ـ تتّمة المنتهى: ص 238.

 

دعوة الإمام الى سامراء:

 

كان الخلفاء الظّالمون يشعرون بالخوف من نفوذ الأئمة(عليهم السلام) في المجتمع واهتمام وحبّ النّاس لهم، ومن البديهيّ عندئذ ان لا يكفّوا أيديهم عن الأئمة الكرام وان لا يتركوهم لحالهم، وبالنسبة للمتوكّل فانّه علاوة على هذا الخوف المستبدّ بجميع المتقدّمين عليه كان يشعر بحقد مرير وعداوة مضاعفة لأهل بيت أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ممّا كان يدفعه للمزيد من التشّدد والتضييق عليهم، ومن هنا فقد عقد العزم على نقل الإمام الهادي (عليه السلام) من المدينة الى مكان قريب منه حتّى يراقبه عن كثب.

 

وهكذا أبعد المتوكلُ الإمام في عام «234» هجرية من المدينة الى سامرّاء بصورة محترمة، وأسكنه في بيت مجاور لمعسكره، وأقام الإمام في هذا البيت حتّى آخر عمره الشّريف، اي الى سنة «254»، هجرّية وقد احتفظ بالإمام دائماً تحت مراقبته الشّديدة، وسار على منهجه هذا الخلفاء الّذين جاّءوا من بعده، فكلّ واحد منهم كان يراقب الإمام بصورة شديدة حتّى استشهاده (عليه السلام)(1).

 

وكان سبب شخوص أبي الحسن (عليه السلام) من المدينة الى سرّ من رأى ان عبد الله بن محمّد كان يتولّى الحرب والصّلاة في مدينة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فسعى بأبي الحسن الى المتوكّل، وكان يقصده بالأذى، وبلغ أبا الحسن (عليه السلام) سعايته به فكتب الى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمّد عليه وكذبه فيما سعى به، فتقدّم المتوكل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه الى حضور العسكر على جميل من الفعل والقول فخرجت نسخة الكتاب وهي:

 

«بسم الله الرّحمن الرّحيم أما بعد، فانّ أمير المؤمنين ! عارف بقدرك راع لقرابتك موجب لحقّك، مؤثر من الأمور فيك وفي أهل بيتك ما يصلح الله به حالك وحالهم ويثبت به عزّك وعزّهم ويدخل الأمن عليك وعليهم يبتغي بذلك رضا ربّه واداء ما فرض عليه فيك وفيهم.

 

فقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمّد عمّا كان يتولّى من الحرب والصّلاة بمدينة الرّسول، اذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقّك واستخفافه بقدرك، وعندما قرفك به ونسبك إليه من الأمر الذيّ قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيّتك في برّك وقولك وأنّك لم تؤهل نفسك لما قرفت بطلبه، وقد ولّى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمّد بن الفضل وأمره با كرامك وتبجيلك والانتهاء الى أمرك ورأيك، والتقرّب الى الله والى أمير المؤمنين بذلك، وأمير المؤمنين مشتاق اليك، يحبّ احداث العهد بك والنّظر الى وجهك.

 

فان نشطت لزيارته والمقام قبله ما احببت، شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة ترحل اذا شئت وتنزل اذا شئت وتسير كيف شئت، فان أحببت ان يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ! ومن معه من الجند يرحلون برحيلك، يسيرون بمسيرك، فالأمر في ذلك اليك وقد تقدّمنا اليه بطاعتك.

 

فاستخر الله حتّى توافي أمير المؤمنين ! فما احد من اخوته وولده وأهل بيته وخاصّته الطف منه منزلة ولا أحمد له اثرة ولا هو لهم أنظر وعليهم اشفق وبهم أبرّ واليهم اسكن منه اليك والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته» (2).

 

ولا شكّ في انّ الإمام (عليه السلام) كان مطلّعاً على سوء نيّة المتوكّل ولكنّه لم يكن له بدّ من الرّحيل الى سامرّاء، وذلك لانّ امتناعه عن تلبية دعوة المتوكّل يغدو وثيقة بيد السّاعين يثيرون المتوكّل بها ويصبح ذريعة مناسبة له، والشّاهد على انّ الإمام (عليه السلام) كان عالماً بنيّة المتوكّل وقد اضّطر للسّفر هو ما كان يقوله (عليه السلام) فيما بعد في سامّراء:

 

«أخرجت الى سرّ من رأى كُرهاً»(3).

 

فلمّا وصل الكتاب الى أبي الحسن (عليه السلام) تجهّز للّرحيل وخرج معه يحيى بن هرثمة حتّى وصل سرّ من رأى، فلمّا وصل اليها تقدّم المتوكّل بان يُحجب عنه في يومه، فنزل في خان يقال له خان الصّعاليك (وهو مكان معدّ للمستجدين والفقراء) وأقام به يومه، ثمّ تقدّم المتوكّل بافراد دار له فانتقل إليها. واحترمه في الظّاهر ولكنّه في الخفاء حاول تشويه سمعة الإمام اِلاّ انّه لم ينجح في ذلك(4).

 

يقول صالح بن سعيد:

 

دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) يوم وروده فقلت له: جعلت فداك في كلّ الأمور ارادوا اطفأء نورك والتّقصير بك، حتّى أنزلوك هذا المكان الأشنع خان الصّعاليك. فقال: ها هنا أنت يا ابن سعيد ؟ ثمّ أومأ بيده فاذا أنا بروضات أنيقات، وأنهار جاريات، وجنّات فيها خيرات عطرات، وولدان كأنّهنّ اللّؤلؤ المكنون، فحار بصري وكثر عجبي فقال (عليه السلام) لي: حيث كنّا فهذا لنا يا ابن سعيد، لسنا في خان الصّعاليك(5).

 

وقد لقي الإمام الهادي (عليه السلام) اشدّ العناء والعذاب خلال فترة اقامته في سامرّاء، ولا سيّما من المتوكّل حيث كان يتعرّض باستمرار للتّهديد والإيذاء منه ويواجه الخطر الجسيم والنماذج التي تذكرها لا حقاً تدل على الوضع الخطير. للإمام في سامرّاء وتصلح شاهداً على مدى تحمّله وصبره ومقاومته في مقابل الطّواغيت الظّالمين. يقول الصقر بن أبي دلف الكرخي:

 

لمّا حمل المتوكّل سيّدنا أبا الحسن العسكريّ (عليه السلام) جئت اسأل عن خبره، قال: فنظر اليّ الزّرافي (وكان حاجباً للمتوكّل) فأمر ان ادخل إليه فأدخلت إليه، فقال: يا صقر ما شأنك ؟ فقلت: خير أيّها الاستاذ، فقال: اقعد فأخذني ما تقدّم وما تأخّر، وقلت: اخطأت في المجيء.

 

قال: فوحى النّاس عنه ثمّ قال لي: ما شأنك وفيم جئت ؟

 

قلت: لخبر مّا، فقال: لعلّك تسأل عن خبر مولاك ؟ فقلت له: ومن مولاي ؟ مولاي أمير المؤمنين!، فقال: اسكت! مولاك هو الحقّ فلا تحتشمني فانّي على مذهبك، فقلت: الحمد الله.

 

قال: أتحبّ ان تراه ؟ قلت: نعم، قال: اجلس حتّى يخرج صاحب البريد من عنده.

 

قال: فجلست فلمّا خرج قال لغلام له: خذ بيد الصّقر وأدخله الى الحجرة الّتي فيها العلويّ المحبوس، وخّلّ بينه وبينه، قال: فأدخلني الى الحجرة وأومأ الى بيت فدخلت فاذا هو جالس على صدر حصير وبحذاه قبر محفور، قال: فسلّمت عليه فردّ عليّ ثمّ أمرني بالجلوس ثمّ قال لي: يا صقر ما أتى بك ؟ قلت: سيّدي جئت اتعرّف خبرك ؟ قال: «ثمّ نظرت الى القبر فبكيت فنظر اليّ فقال يا صقر لا عليك لن يصلوا الينا بسوء الان، فقلت: الحمد الله».

 

(ثمّ سألته عن حديث مرويّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابني) ثمّ قال (عليه السلام): ودّع واخرج فلا آمن عليك(6).

 

قال المسعودي في مروج الذّهب:

 

سعي الى المتوكّل بعليّ بن محمّد الجواد (عليهما السلام) انّ في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم، وانّه عازم على الوثوب بالدّولة فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهجموا على داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً ووجدوه في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرّمل والحصى وهو متوجّه الى الله تعالى يتلو آيات من القرآن.

 

فحمل على حاله تلك الى المتوكّل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئاً ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة، وكان المتوكّل جالساً في مجلس الشّرب فدخل عليه والكأس في يد المتوكّل، فلمّا رآه هابه وعظمه وأجلسه الى جانبه وناوله الكأس الّتي كانت في يده، فقال: والله ما يخامر لحمي ودمي قطّ، فاعفني فأعفاه، فقال: أنشدني شعراً، فقال (عليه السلام): انّيّ قليل الرّواية للشّعر، فقال: لابدّ، فأنشده (عليه السلام) وهو جالس عنده:

 

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم        غلب الرّجال فلم تنفعهم القلـل

 

واستُنزلوا بعد عزّ من معاقلهم         وأُسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا

 

ناداهـم صارخ من بعد دفنهـم     أين الأساور والتّيجان والحلـل

 

أين الوجـوه الّتي كانت منعّمـة      من دونها تضرب الأستار والكلل

 

فأفصح القبر عنهم حين سائلهم               تلك الوجوه عليها الدّود تقتتـل

 

قد طال ما أكلوا دهراً وقد شربوا     وأصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا

 

قال: فبكى المتوكّل حتّى بلّت لحيته دموع عينيه، وبكى الحاضرون، ودفع الى علي (عليه السلام) أربعة آلاف دينار، ثمّ ردّه الى منزله مكرّماً(7).

 

ومرّة اخرى هاجموا دار الإمام: فقد مرض المتوكّل مرضاً اشرف منه على التّلف، فوصف له الإمام (عليه السلام) دواءً لعلاجه، وعوفي بسبب تناوله ذلك الدّواء. وبُشّرت امّ المتوكّل بعافيته فحملت الى أبي الحسن (عليه السلام) عشرة آلاف دينار تحت ختمها.

 

فلمّا كان بعد أيّام سعى البطحائيّ بأبي الحسن (عليه السلام) الى المتوكّل فقال: عنده سلاح و أموال، فتقدّم المتوكّل الى سعيد الحاجب ان يهجم ليلاً عليه ويأخذ ما يجد عنده من الاموال والسّلاح ويحمل اليه.

 

فقال ابراهيم بن محمّد: قال لي سعيد الحاجب: صرت الى دار أبي الحسن (عليه السلام) بالّليل، ومعي سلّم فصعدت منه الى السّطح، ونزلت من الدّرجة الى بعضها في الظّلمة، فلم ادر كيف اصل الى الدار فناداني أبو الحسن (عليه السلام) من الدّار: يا سعيد مكانك حتّى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن آتوني بشمعة فنزلت فوجدت عليه جبّة من صوف وقلنسوة منها وسجّادته على حصير بين يديه و هو مقبل على القبلة فقال لي: دونك بالبيوت.

 

فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئاً، ووجدت البدرة مختومة بخاتم امّ المتوكّل وكيسا مختوماً معها، فقال أبو الحسن (عليه السلام): دونك المصلّى فرفعت فوجدت سيفا في جفن غير ملبوس، فأخذت ذلك وصرت اليه.

 

فلّمّا نظر الى خاتم امّه على البدرة بعث اليها، فخرجت اليه، فسألها عن البدرة، فأخبرني بعض خدم الخاصّة انّها قالت له: كنت نذرت في علّتك ان عوفيت ان احمل اليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها اليه وهذا خاتمك على الكيس ما حركّها. وفتح الكيس الاخر وكان فيه أربع مائة دينار، فأمر ان يضمَّ الى البدرة بدرة أخرى وقال لي: احمل ذلك الى أبي الحسن واردد عليه السّيف والكيس بما فيه، فحملت ذلك اليه واستحييت منه، وقلت: يا سيّدي عزّ عليّ بدخول دارك بغير اذنك، ولكنّي مأمور به، فقال لي:

 

(وَسَيعلَمُ الّذّينَ ظَلَمُوا اَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ)(8).

 

*      *      *

 

واخيراً فقد انتهت الحكومة الغاشمة للمتوكّل، فبتحريض من ابنه «المنتصر» قامت مجموعة من الأتراك المسلّحين بقتله وقتل وزيره الفتح بن خاقان بينما كانا منهمكين في شرب الخمر واللّهو(9). وبذلك تطهّرت الأرض من وجوده المنحطّ.

 

واستلم المنتصر في صبيحة تلك الّليلة الّتي قتل فيها المتوكّل مقاليد الخلافة وأمر بهدم بعض قصور أبيه(10). ولم يؤذ العلويّين وإنّما اظهر الرّأفة والعطف عليهم وأجاز زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وأبدى للزّائرين الخير والإحسان(11). وأصدر أمره بإعادة «فدك» إلى أولاد الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام)، ورفع الخطر عن الأوقاف العائدة الى آل أبي طالب(12)، وكانت فترة خلافة المنتصر قصيرة فقد امتدّت ستّة اشهر فحسب، وتوفّي في عام  «248» هجري(13).

 

وانتقلت الخلافة من بعده الى ابن عمّه «المستعين» وهو حفيد المعتصم، وقد سلك طريقة الخلفاء السّابقين، وفي أثناء حكمه نهضت مجموعة من العلويّين وانتهى بها الأمر الى القتل.

 

ولم يستطع المستعين الصّمود في وجه تمرّد الا تراك من جيشه، فأستخرج المتّمرّدون المعتزّ من السّجن وبايعوه. وبذلك ارتفع نجم المعتزّ واضطرّ المستعين ليبدي استعداده للصّلح معه وصالحه المعتزّ بحسب الظّاهر واستدعاه إلى سامرّاء ولكنّه في وسط الطّريق أمر به فقتل(14).

 

وقد جرت سيرة المستعين على اطلاق أيدي بعض المقرّبين إليه وزعماء الأتراك في نهب المال والعبث به حسب ما تقتضيه اهواؤهم(15)، ولكنّه كان يسلك مع أئمّتنا المعصومين (عليهم السلام) سلوكاً مُشينا جدّاً وقاسيا، وبناءً على بعض الرّوايات فانّه قد تعرّض للّعن من قبل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وانتهت حياته(16).

 

وبعد المستعين استلم الخلافة «المعتزّ» وهو ابن المتوكّل واخ المنتصر. وكان موقفه من العلويّين سيئاً جدّاً. وخلال حكمه تعرّضَت طائفة من العلويّين للقتل أودُسّ اليها السُّم. وفي زمانه أيضاً استشهد الإمام الهادي (عليه السلام).

 

وأخيراً فقد واجه المعتزّ تمردّاً اشترك فيه زعماء الاتراك وآخرون وعزلوه عن الحكم وضُرب وجُرح على أيديهم ثمّ القوا به في سرداب وأغلقوا عليه بابه حتّى هلك في داخله(17).

--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) ـ الفصول المّهمّة لابن صبّاغ المالكي: ص 283.

 

(2) ـ البحار: ج 50 ص 200.

 

(3) ـ بحار الأنوار: ج 50، ص 129.

 

(4) ـ الإرشاد للمفيد: ص 313 ـ 314، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي: ص 279 ـ 281، نور الأبصارللشبلنجي: ص 182.

 

(5) ـ الإرشاد للمفيد: ص 313 ـ 314.

 

(6) ـ بحار الأنوار: ج 50 ص 195 ـ 194.

 

(7) ـ البحار: ج 50 ص 211 ـ 212.

 

(8) ـ احقاق الحق: ج 12 ص 452 ـ 453، الفصول المهمّة لابن صبّاغ المالكي: ص 281 ـ 282.

 

(9) ـ تتمة المختصر في أخبار البشر: ج 1 ص 341 ـ 342.

 

(10) ـ تتمة المنتهى: ص 243.

 

(11) ـ تتمة المختصر في أخبار البشر: ج 1 ص 344.

 

(12) ـ تتمة المنتهى: ص 244.

 

(13) ـ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 493، تتمة المختصر في أخبار البشر: ج 1 ص 344.

 

(14) ـ المختصر في أخبار البشر: ج 2 ص 42 ـ 44.

 

(15) ـ المختصر في أخبار البشر: ج 2 ص 42 ـ 44، تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 499، تتمة المنتهى: ص 246.

 

(16) ـ بحار الأنوار: ج 50 ص 249.

 

(17) ـ تتمّة المنتهى: ص 252 ـ 254، المختصر في أخبار البشر: ج 2 ص 45.

 

محاصرة الإمام (عليه السلام) واستشهاده:

 

انّ كلّ باحث عند ما يتأمّل في حياة الإمام الهادي (عليه السلام) يدرك أنّ هذا الإمام الجليل قد عاش حياته كلّها تحت الضّغط والحصار المروّع، ومن الواضح ان هذا الوضع لم يكن مقصوراً على هذا الزّمان وانّما كان الأمر على هذا المنوال طيلة مرحلة بني أميّة وبني العبّاس سوى فترات محدودة، فقد كان الخلفاء الغاصبون يدوسون بأقدامهم على المجتمع ولا يهتمون بمصالحه ويتخذون النّاس وسيلة لتحقيق مصالحهم الشّخصية ومنافعهم الذّاتيّة. وفي أثناء تسلّط الخلفاء الظّالمين كان الرّعب والفزع مسيطراً بحيث لم يجرؤ النّاس على القيام ضدّ الطّغاة، والانتفاع بقيادة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وإيجاد الحكومة الإسلاميّة الحقيقيّة، ومن هنا فقد كانت علاقة الأمّة بالإمام محدودة جدّاً، وكما مرّ علينا فانّ حكومة ذلك أجبرت الإمام الهادي (عليه السلام) على الرحيل من المدينة الى مركز الخلافة حينذاك، أي سامرّاء، وجعلته (عليه السلام) تحت الرقابة الشديدة، ومع كلّ الضغوط المسلّطة عليه فانّ الإمام (عليه السلام) تحمّل الآلآم والمحدوديّات المفروضة عليه ولم يستسلم لرغبات الظالمين، ومن البديهي ان شخصيّة الإمام القويّة ومركزه الاجتماعي الرفيع ونضاله السلبي وعدم تعاونه مع الخلفاء (كلّ هذه الأمور) كانت مرعبة للطواغيت ومُرّة المذاق، وكان بنو العبّاس يعانون من هذا الأمر كثيراً وباستمرار، وبالتالي فقد توصّلوا الى الحيلة الوحيدة لمعالجته وهو اطفاء نور الله وقتل ذلك الإمام الجليل.

 

وهكذا فان الإمام الهادي (عليه السلام) (مثل آبائه الكرام) لم يرحل عن الدّنيا بواسطة الموت الطّبيعيّ، وانّما قد سُمّ في خلافة المعتزّ العبّاسي(1)، وفي الثّالث من شهر رجب سنة «254» هجريّة ارتحل الى الرّفيق الأعلى ودفن في داره الواقعة في سامرّاء(2).

 

وقد حاول المعتزّ وبطانته اظهار أنفسهم بمظهر المحبّين والمخلصين للإمام فاشتركوا في مراسم الصّلاة على الإمام ودفنه ليستغّلوا هذا الأمر لأغراضهم الوضيعة ويخدعوا العوام ويغطّوا على جريمتهم النّكراء، لكنّنا نحن الشّيعة نعتقد انّ جثمان الإمام لابدّ ان يصلّي عليه إمام معصوم، ولهذه فانّه قبل اخراج الجثمان الطّاهر للإمام فقد قام بالصّلاة عليه ابنه الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)(3)، ثمّ بعد أن أخرجت الجنازة أمر المعتزّ أخاه أحمد بن المتوكّل بإقامة الصّلاة على جثمان الإمام (عليه السلام) في شارع «أبي أحمد». وهبّ النّاس للمشاركة في تشييع الإمام وازدحمت بهم الشّوارع وارتفع البكاء والنّحيب، وبعد انتهاء المراسم أُعيدت الجنازة الى بيت الإمام (عليه السلام) ودفن فيه جثمانه(4)، سلام الله وصلواته عليه وعلى آبائه الطّاهرين.

--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) ـ نور الأبصار للشبلنجي: ص 183، الأنوار البهية: ص 150.

 

(2) ـ الإرشاد للمفيد: ص 314، أعلام الورى: ص 355، الأنوار البهية: ص 15.

 

(3) ـ الأنوار البهية: ص 151.

 

(4) ـ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 503، طبعة بيروت.

 

معاجز الإمام والارتباط بالغيب:

 

كما ذكرنا في الكراسات السّابقة فانّ الأئمة: يتميّزون بارتباط خاصّ بالله تعالى وعالم الغيب بسبب مقام العصمة والإمامة، ولهم (مثل الأنبياء) معاجز وكرامات تؤيّد ارتباطهم بالله وكونهم أئمة، وتظهر على أيديهم في المجالات المناسبة نماذج من العلم والقدرة الإلهيّة، بحيث تؤدّي الى اطمئنان النّفس وتربية الاتباع، وتعدّ أيضاً دليلاً وحجّة على انّ ما يدعونه هو الحقّ.

 

وقد شوهدت من الإمام الهادي (عليه السلام) معاجز وكرامات كثيرة سجّلتها كتب التّاريخ والحديث، ونقلها جميعاً يحتاج الى كتاب مستقّل، ونقتصر هنا على ذكر بعض النّماذج منها رعاية للإختصار:

 

 

 

1 ـ الإمامة والقيادة في سنين الطّفولة:

 

كما أشرنا من قبل فالإمام الهادي (عليه السلام) قد اسند إليه منصب الإمامة بعد استشهاد والده الكريم وهو في سنّ الثّامنة من عمره الشّريف، وهذا هو بنفسه من أوضح الكرامات والمعجزات، وذلك لان التّصدّي لمثل هذا المقام الخطير والمسؤوليّة الضّخمة الإلهيّة ليس فقط لا تتيسّر من الأطفال وانّما حتّى من الرّجال العقلاء البالغين، وبما انّ علماء الشّيعة ومحدّثيهم يرجعون الى الإمام اللاحق بعد استشهاد أو وفاة الإمام السّابق ويسألونه عن مسائلهم المختلفة، بل وحتّى انهم يختبرونه احياناً، وكذا الشّخصيّات الكبيرة من العلويّين وأقارب الإمام الّذين وصلوا الى سنّ الكمال كانوا يتردّدون على بيت الإمام (عليه السلام) ويعاشرونه، فمن المستحيل ان يستطيع طفل (من دون تأييد الله وارادته والارتباط بالعلم والقدرة الإلهيّة) التّصدّي لمثل هذا المقام الخطير وإعطاء الأجوبة الصّحيحة على كل تلك الأسئلة والقيادة النّاجحة في كلّ تلك المتعرّجات، ومن البديهي انّه حتّى النّاس العاديّون ايضاً يميّزون بين الطفل الصّغير العادي، والإمام الواعي القائد.

 

ومثل هذه الظّروف قد مرّت أيضاً على الإمام الجواد (عليه السلام)، ونحن قد أوضحنا خلال شرحنا لحياة ذلك الإمام الكريم انّه لا علاقة لمنصب الإمامة السّماوي (مثل النبوّة تماماً) بالسنّ والعمر اطلاقاً، لانّه يتمّ بأمر الله وارادته.

 

 

 

2 ـ الاخبار عن موت »الواثق« الخليفة العبّاسيّ:

 

يقول خيران الاسباطي:

 

قدمت على أبي الحسن عليّ بن محمّد (عليهما السلام) المدينة فقال لي ما خبر الواثق عندك ؟

 

قلت جعلت فداك خلفّته في عافية، أنا من اقرب النّاس عهداً به، عهدي به منذ عشرة ايّام. قال فقال لي ان أهل المدينة يقولون انه قد مات. فلمّا قال لي انّ النّاس يقولون، علمت انه يعني نفسه، ثمّ قال لي: ما فعل جعفر ؟ قلت تركته اسوء النّاس حالاً في السّجن. قال فقال لي أما انّه صاحب الأمر. ثمّ قال: ما فعل ابن الزّيّات ؟ قلت النّاس معه والأمر أمره، فقال أما انّه شوم عليه. قال ثمّ انه سكت وقال لي لابّد ان تجري مقادير الله وأحكامه يا خيران مات الواثق وقد قعد جعفر المتوكّل وقد قتل ابن الزّيّات. قلت متى جعلت فداك ؟ فقال بعد خروجك بستّة أيّام(1).

 

ولم يمرّ سوى عدّة أيّام حتّى جاء الى المدينة مبعوث المتوكّل وشرح الأحداث فكانت كما نقلها الإمام الهادي (عليه السلام)(2).

 

3 ـ تكلّمه باللغة التّركيّة:

 

روى أبو هاشم الجعفري انّه كنت بالمدينة حين مرّ بها (بغاء) أيّام الواثق في طلب الاعراب فقال أبو الحسن (عليه السلام): اخرجوا بنا حتّى ننظر الى تعبية هذا التّركي، فخرجنا فوقفنا فمرّت بنا تعبيته، فمرّ بنا تركي فكلّمه أبو الحسن (عليه السلام) بالتّركية وقلت له ما قال لك الرّجل ؟ قال: هذا نبيّ ؟ قلت: ليس هذا بنبيّ، قال: دعاني باسم سميّت به في صغري في بلاد التّرك ما علمه احد الى السّاعة(3).

 

4 ـ خضوع الوحوش له:

 

نقل الشيخ سليمان البلخي القندروزي في كتابه «ينابيع المودّة » (وهو احد علماء السّنّة):

 

ذرك المسعودي انّ المتوكّل أمر بثلاثة من السّباع فجيء بها في صحن قصره ثمّ دعا الإمام علي الهادي فلمّا دخل اغلق باب القصر فدارت السّباع حوله وخضعت له وهو يمسحها بكمّه ثمّ صعد الى المتوكّل وتحدّث معه ساعة ثمّ نزل ففعلت السّباع معه كفعلها الأوّل حتّى خرج فأتبعه المتوكّل بجائزة عظيمة فقيل للمتوكّل انّ ابن عمّك يفعل بالسّباع ما رأيت فافعل بها ما فعل ابن عمّك، قال: انتم تريدون قتلي ثمّ امرهم ان لا يفشوا ذلك(4).

 

 

 

هيبة الإمام وعظمته:

 

روى محمّد بن الحسن الأشتر العلويّ قال: كنت مع ابي على باب المتوكّل وانا صبيّ في جمع من النّاس ما بين طالبيّ الى عبّاسيّ وجعفري، ونحن وقوف اذا جاء أبو الحسن الإمام الهادي (عليه السلام) ترجّل النّاس كلّهم حتّى دخل، فقال بعضهم لبعض: لم نترجّل لهذا الغلام وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا ولا بأسنّنا، والله لا ترجّلنا له.

 

فقال أبو هاشم الجعفري (وكان حاضراً هناك حينذاك): والله لتترجّلنّ له صغرة اذا رأيتموه، فما هو إلاّ ان اقبل وبصروا به حتّى ترجّل له النّاس كلّهم، فقال لهم أبو هاشم الجعفري: أليس زعمتم إنكم لا ترجلون له ؟ فقالوا له: والله ما ملكنا أنفسنا حتّى ترجّلنا(5).

 

 

 

5 ـ الاخبار عمّا في الضّمير وعن دعاء سوف يستجاب:

 

كان باصفهان رجل يقال له عبد الرّحمان وكان شيعيّاً، قيل له: ما السّبب الذي اوجب عليك القول بإمامة عليّ الهادي دون غيره من أهل الزمان ؟ قال: شاهدت ما أوجب عليّ، وذلك انّي كنت رجلاً فقيراً وكان لي لسان وجرأة، فأخرجني أهل أصفهان سنة من السّنين مع قوم آخرين الى باب المتوكّل متظلّمين. فكنّا بباب المتوكّل يوماً اذا خرج الأمر باحضار عليّ بن محمّد بن الرّضا (عليهما السلام)، فقلت لبعض من حضر: من هذا الرّجل الّذي قد أمر باحضاره ؟ فقيل: هذا رجل علويّ تقول الرّافضة بإمامته، ثمّ قال: ويقدّر انّ المتوكّل يحضره للقتل فقلت: لا ابرح من ها هنا حتّى أنظر الى هذا الرّجل ايّ رجل هو ؟ قال: فأقبل راكبا على فرس، وقد قام النّاس يمنة الطّريق ويسرتها صفّين ينظرون اليه، فلمّا رأيته وقع حبّه في قلبي فجعلت ادعو في نفسي بأنّ يدفع الله عنه شرّ المتوكّل، فأقبل يسير بين النّاس وهو ينظر الى عرف دابّته لا ينظر يمنة ولا يسرة، وانا دائم الدّعاء، فلمّا صار اليّ أقبل بوجهه اليّ وقال: استجاب الله دعاءك، وطوّل عمرك، وكثّر مالك وولدك، قال: فارتعدت ووقعت بين أصحابي، فسألوني وهم يقولون: ما شأنك ؟ فقلت خير، ولم أخبر بذلك.

 

فانصرفنا بعد ذلك الى اصفهان، ففتح الله عليّ وجوهاً من المال، حتّى انا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم، سوى مالي خارج داري، ورزقت عشرة من الأولاد، وقد بلغت الآن من عمري نيفّاً وسبعين سنة وأنا أقول بإمامة هذا الرّجل على الّذي علم ما في قلبي، واستجاب الله دعاءه في ولي(6).

 

 

 

6 ـ طمئنة الجار وحلّ مشكلته:

 

كان في الموضع مجاور الإمام من أهل الصّنايع صنوف من النّاس، وكان الموضع كالقرية وكان يونس النّقّاش يغشى سيّدنا الإمام الهادي (عليه السلام) ويخدمه.

 

فجاء يوماً يرعد فقال: يا سيّدي أوصيك بأهلي خيرا، قال: وما الخير ؟ قال: عزمت على الرّحيل، قال: ولم يا يونس، وهو (عليه السلام) متبسّم، قال: قال: موسى بن بغا وجّه اليّ بفصّ ليس له قيمة اقبلت ان انقشه فكسرته باثنين وموعده غداً، وهو موسى بن بغا، امّا ألف سوط أو القتل، قال (عليه السلام): امض الى منزلك الى غد فما يكون إلاّ خيراً.

 

فلمّا كان من الغد وافى بكرة يرعد فقال: قد جاء الرّسول يلتمس الفصّ، قال (عليه السلام): امض إليه فما ترى إلاّ خيراً، قال: وما أقول له يا سيدي؟ قال فتبسّم وقال (عليه السلام): امض إليه واسمع ما يخبرك به، فلن يكون إلاّ خيراً.

 

قال: فمضى وعاد يضحك، قال: قال لي يا سيّدي: الجواري اختصمن فيمكنك ان تجعله فصيّن حتّى نغنيك ؟ فقال سيّدنا الإمام (عليه السلام): اللّهمّ لك الحمد اذ جعلتنا ممّن يحمدك حقّاً، فأيش ( وهو مخفّف ايّ شيء) قلت له ؟ قال: قلت له: أمهلني حتّى أتأمّل امره كيف أعمله ؟ فقال: أصبت(7).

 

 

 

7 ـ الإمساك بيد أبي هاشم وإنقاذه:

 

قال أبو هاشم الجعفري: اصابتني ضيقة شديدة فصرت الى أبي الحسن علي بن محمّد (الهادي) (عليه السلام)، فأذن لي فلمّا جلست قال: يا أبا هاشم اي نعم الله عزّ وجلّ عليك تريد ان تؤدّى شكرها ؟ قال أبو هاشم: فوجمت فلم أدر ما أقول له، فابتدأ (عليه السلام) فقال: رزقك الإيمان فحرم بدنك على النّار، ورزقك العافية فأعانتك على الطّاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التّبذّل، يا أبا هاشم انّما ابتدأتك بهذا لأني ظننت أنّك تريد ان تشكو لي مَن فعل بك هذا، وقد أمرت لك بمائة دينار فخذها(8).

--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) ـ الإرشاد للمفيد: ص 309، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي: ص 279، مع بعض التغيير، نور الأبصار للشبلنجي: ص 182.

 

(2) ـ الفصول المهمّة لابن صباغ المالكي: ص 279، احقاق الحقّ: ج 12 ص 451.

 

(3) ـ أعلام الورى: ص 359.

 

(4) ـ احقاق الحق: ج 12 ص 451 ـ 452.

 

(5) ـ أعلام الورى: ص 360.

 

(6) ـ بحار الأنوار: ج 50، ص 141 ـ 142.

 

(7) ـ بحار الأنوار: ج 50 ص 125 ـ 126.

 

(8) ـ بحار الأنوار: ج 50 ص 129.

 

معرفة الإمام في أقوال الهادي (عليه السلام):

 

انّ كلّ واحد من أئمتّنا الاثني عشر (صلوات الله على أنوارهم المقدسة) لا يقتصر على كونه قائداً للأمّة ومبيّناً لأحكام الإسلام والقرآن، وإنّما الإمام المعصوم في الثّقافة الشّيعيّة هو نور الله في الارض، والحجّة التامّة للحقّ على جميع العالمين، ومحور كائنات الوجود، وواسطة الفيض بين الخالق والمخلوقين، والمرآة النّوارنيّة لكمالات العوالم العليا، وأرفع قمّة للفضائل الإنسانيّة، والجامع لكلّ الخيرات والمحاسن، ومحلّ تجلّي علم الله تعالى وقدرته، والنّموذج الكامل للإنسان الواصل الى الله، والمعصوم من السّهو والنسيان والخطأ، والمرتبط بملكوت الوجود وعالم الغيب والملائكة، والعالم بما كان وما يكون في الدّنيا والآخرة، وكنز الأسرار الإلهيّة ووارث جميع كمالات الأنبياء. أجل انّ الوجود المبارك محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل محمّد (عليهم السلام) هو مركز فرجال الوجود، وهيمنة ولايتهم الكريمة فوق ولاية الأنبياء والمرسلين، وهي رفيعة الى الحدّ الذي لا تكون فيه قابلة للادراك بغيرهم، وهي بجعل من الله سبحانه مختصّة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومين، ولا يمكن ان يطمع فيها اي طامع...

 

وما ذكرناه من منزلة الأئمة المعصومين ومقامهم الواقعي (بل واكثر من ذلك) يمكننا اثباته بنصوص من كتاب الله والرّوايات الصّحيحة الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم الصّلاة والسّلام)، وهي مذكورة ومدروسة في الكتب المتنوّعة لعلماء الشّيعة وشخصيّاتها، وهذه الدّراسة المختصرة ليست مجالاً للتّطويل ولا لذكر الدّليل.

 

ومولانا المكرّم (وهو عاشر كوكب من كواكب سماء الإمامة) الإمام أبو الحسن الهادي (عليه السلام) قد منّ علينا (نحن الشّيعة) واكرمنا بكلامه العميق الثريّ الوارد في زيارة يطلق عليها اسم «الزّيارة الجامعة» تضّم كلاما فريداً ثريّاً بالمعارف الإلهيّة الرّاقية وبحراً من العلوم الغزيرة التي تنهمر أمطاراً من الدّر والجواهر على مفارق المحبّين الحقيقيّين للأئمة(عليهم السلام)، وهي على مستوى عقولنا ولا تتناسب مع حقيقة الإمامة، يحكي فيها بعض الطّرائف من بستان الله، ويعرفّنا (أرواحنا فداه) نحن الأرضيّين بسماء العظمة الإلهيّة والجلال الإلهيّ بواسطة الأشعّة النّافذه لكلامه، ويسقينا (نحن المتعطّشين الى ولاء هؤلاء الكرام) من كوثر جنّة الله.

 

اجل انّ الإمام الهادي (عليه السلام) يعلّم احد شيعته ومحبّيه (بطلب منه) كلمات لزيارة الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، ونجد من الخسارة ان لا نذكرها في هذا المقال المخصّص لحياة هذا الإمام الكريم، لانّها تشتمل على فهرست لمعرفة الإمام.

 

وبعض العلماء الكبار اعتبر هذه الزّيارة افضل الزّيارات الجامعة، وقد نقلها كثير من الشّخصيّات العلميّة المرموقة، كالمرحوم الشّيخ الصّدوق المتوفّى سنة «381» هجرية في كتاب «من لا يحضره الفقيه»(1) وكتاب «عيون أخبار الرّضا»(2)، والشيخ الطوسي المتوفى سنة «460» هجرية في كتاب: «تهذيب الأحكام»(3)و(4).

 

ونفس جذابيّة الكلام وثراء المضمون وما يحفل به من علم ومعرفة هو شاهد صادق على أصالة هذه الزّيارة ودالّ على تمتّع قائله بالعلم الإلهيّ الرّفيع، ونحن ننقل هنا هذا الكلام الشريف آملين ان لا يغفل التّابعون للأئمّة(عليهم السلام) عن هذه الجوهرة الثّمينة من كنز المعارف الشّيعيّة، وان يواظبوا على زيارة الأئمّة الطّاهرين بهذه الكلمات المضيئة، سواء أكانت زيارتهم من بُعد ام في حرم كلّ واحد من الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.

--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) ـ ج 2 ص 609، طبع مكتبة الصدوق، تهران (يقول الشيخ الصدوق في اوائل كتاب من لا يحضره الفقيه: انني اذكر في هذا الكتاب ما افتي به واراه حجّة شرعيّة بيني وبين ربّي: ج1، ص3).

 

(2) ـ ج 2 ص 277، طبع منشورات الاعلمي، طهران.

 

(3) ـ ج 6 ص 95، طبعة طهران.

 

(4) ـ يقول العلاّمة المجلسي في هذه الزيارة: انّ الزيارة الجامعة هي اصح الزّيارات من حيث السّند وأفضل الزّيارات من حيث المتن والفصاحة البلاغة. (البحار: ج 102 ص 144) .

 

ويقول المجلسيّ الاوّل (والد العلامة المجلسيّ): جرت لي مكاشفة في حرم الإمام أمير المؤمنين، حيث حظيت بلقاء إمام العصر والزمان ارواحنا فداه فقرأت الزّيارة الجامعة بصوت عال، وبعد ان انهيت الزّيارة قال لي (عليه السلام) انها زيارة حسنة، ثم يعقّب المجلسيّ الاوّل على ذلك: بانني ادمنت على هذه الزّيارة في اغلب الاوقات، ولا شكّ في انّ هذه الزّيارة هي من الإمام الهادي (عليه السلام) وامضاء من صاحب الزمان، ويعتبر متنها أكمل وافضل الزّيارات (روضة المتقين: ج 5 ص 451). ويقول المرحوم الحاج، فأوصاه (عليه السلام) بالحرص على قراءة زيارة عاشوراء والزيارة الجامعة واداء صلاة النافلة، وقال: لماذا لا تصلون النّافلة ؟ النافلة النافلة النافلة، لماذا لا تقرأون زيارة عاشوراء ؟ عاشوراء، عاشوراء، عاشرواء، لماذا لا تقرأون الزّيارة الجامعة ؟ الجامعة، الجامعة، الجامعة. (النجم الثاقب: ص 342 ـ 343).

 

الزيّارة الجامعة:

 

روى الصّدوق في الفقيه والعيون عن موسى بن عبد الله النخعي انّه قال للإمام علي الهادي (عليه السلام) علّمني يا ابن رسول الله قولاً أقوله بليغاً كاملاً إذا زرت واحداً منكم، فقال إذا صرت الى الباب فقف واشهد الشّهادتين، اي قل: «اشهد ان لا إله اِلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد انّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) عبده ورسوله»، وأنت على غسل فاذا دخلت ورأيت القبر فقف وقل: «الله أكبر» ثلاثين مرّة، ثمّ امش قليلاً وعليك السّكينة والوقار وقارب بين خطاك ثمّ قف وكبّر الله عزّ وجلّ ثلاثين مرّة ثمّ أدن من القبر وكبّر الله أربعين مرة تمام مائة تكبيرة. ثم قل:

 

(( السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعَ الرِّسالَةِ وَمُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ وَمَهْبِطَ الوَحْي وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ وَخُزَّانَ العِلْمِ وَمُنْتَهى الحِلْمِ وَأُصُولَ الكَرَمِ وَقادَةَ الاُمَمِ وَأَوْلِياءِ النِّعَمِ وَعَناصِرَ الأَبْرارِ وَدَعائِمَ الأَخْيارِ وَساسَةَ العِبادِ وَأَرْكانَ البِلادِ وَأَبْوابَ الإِيمانِ وَاُمَناءَ الرَّحْمنِ وَسُلالَةَ النَّبِيِّينَ وَصَفْوَةَ المُرْسَلِينَ وَعُتْرَةَ خِيرَةِ رَبِّ العالَمِينَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلى أَئِمَّةِ الهُدى وَمَصابِيحِ الدُّجى وَأَعْلامِ التُّقى وَذَوِي النُّهى وَأُولِي الحِجى وَكَهْفِ الوَرى وَوَرَثَةِ الأَنْبِياءِ وَالمَثَلِ الأَعْلى وَالدَّعْوَةِ الحُسْنى وَحُجَجِ اللّهِ عَلى أَهْلِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَالأُولى وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلى مَحالِّ مَعْرِفَةِ اللّهِ وَمَساكِنِ بَرَكَةِ اللّهِ وَمَعادِنِ حِكْمَةِ اللّهِ وَحَفَظَةِ سِرِّ اللّهِ وَحَمَلَةِ كِتابِ اللّهِ وَأَوْصِياءِ نَبِيِّ اللّهِ وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلى الدُّعاةِ إِلى اللّهِ وَالأَدِلاء عَلى مَرْضاةِ اللّهِ وَالمُسْتَقِرِّينَ فِي أَمْرِ اللّهِ وَالتَّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ اللّهِ وَالمُخْلِصِينَ فِي تَوْحِيدِ اللّهِ المُظْهِرِينَ لأَمْرِ اللّهِ وَنَهْيِهِ وَعِبادِهِ المُكْرَمِينَ الَّذِينَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْلَمُونَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلى الأَئِمَّةِ الدُّعاةِ وَالقادَةِ الهُداةِ وَالسَّادَةِ الوُلاةِ وَالذَّادَةِ الحُماةِ وَأَهْلِ الذِّكْرِ وَأُولِي الامْرِ وَبَقِيَّةِ اللّهِ وَخِيَرَتِهِ وَحِزْبِهِ وَعَيْبَةِ عِلْمِهِ وَحُجَّتِهِ وَصِراطِهِ وَنُورِهِ وَبُرْهانِهِ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ.

 

أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ كَما شَهِدَ اللّهُ لِنَفْسِهِ وَشَهِدَتْ لَهُ مَلائِكَتُهُ وَأُولُوا العِلْمِ مِنْ خَلْقِهِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ العزِيزُ الحَكِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ المُنْتَجَبُ وَرَسُولُهُ المُرْتَضى أَرْسَلَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وَأَشْهَدُ أَنَّكُمْ الاَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ المَعْصُومُونَ المُكَرَّمُونَ المُقَرَّبُونَ المُتَّقُونَ الصَّادِقُونَ المُصْطَفَوْنَ المُطِيعُونَ للّهِ القَوَّامُونَ بِأَمْرِهِ العامِلُونَ بِإِرادَتِهِ الفائِزُونَ بِكَرامَتِهِ، اصْطَفاكُمْ بِعِلْمِهِ وَارْتَضاكُمْ لِغَيْبِهِ وَاخْتارَكُمْ لِسِرِّهِ وَاجْتَباكُمْ بِقُدْرَتِهِ وَأَعَزَّكُمْ بِهُداهُ وَخَصَّكُمْ بِبُرْهانِهِ وَانْتَجَبَكُمْ لِنُورِهِ وَأَيَّدَكُمْ بِرُوحِه، وَرَضِيَكُمْ خُلَفاءَ فِي أَرْضِهِ وَحُجَجا عَلى بَرِيَّتِهِ وَأَنْصارا لِدِينِهِ وَحَفَظَةً لِسِرِّهِ وَخَزَنَةً لِعِلْمِهِ وَمُسْتَوْدَعا لِحِكْمَتِهِ وَتَراجِمَةً لِوَحْيِهِ وَأرْكانا لِتَوْحِيدِهِ وَشُهَداءَ عَلى خَلْقِهِ وَأَعْلاما لِعِبادِهِ وَمَناراً فِي بِلادِهِ وَأدِلاَ عَلى صِراطِهِ، عَصَمَكُمْ اللّهُ مِنَ الزَّلَلِ وَآمَنَكُمْ مِنَ الفِتَنِ وَطَهَّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ وَأَذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَكُمْ تَطْهِيراً، فَعَظَّمْتُمْ جَلالَهُ وَأَكْبَرْتُمْ شَأْنَهُ وَمَجَّدْتُمْ كَرَمَهُ وَأَدَمْتُمْ ذِكْرَهُ وَوَكَّدْتُمْ مِيثاقَهُ وَأَحْكَمْتُمْ عَقْدَ طاعَتِهِ وَنَصَحْتُمْ لَهُ فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَّةِ وَدَعَوْتُمْ إِلى سَبِيلِهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَبَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي مَرْضاتِهِ وَصَبَرْتُمْ عَلى ما أَصابَكُمْ فِي جَنْبِهِ، وَأَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكاةَ وَأَمَرْتُمْ بِالمَعْرُوفِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَجاهَدْتُمْ فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِه، حَتّى أَعْلَنْتُمْ دَعْوَتَهُ وَبَيَّنْتُمْ فَرائِضَهُ وَأَقَمْتُمْ حُدُودَهُ وَنَشَرْتُمْ شَرائِعَ أَحْكامِهِ وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ وَصِرْتُمْ فِي ذلِكَ مِنْهُ إِلى الرُّضا وَسَلَّمْتُمْ لَهُ القَضاء وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضى؛ فَالرَّاغِبُ عَنْكُمْ مارِقٌ وَاللآزِمُ لَكُمْ لاحِقٌ وَالمُقَصِّرُ فِي حَقِّكُمْ زاهِقٌ وَالحَقُّ مَعكُمْ وَفِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَإِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ وَمَعْدِنُهُ، وَمِيراثُ النُّبُوَّةِ عِنْدَكُمْ وَإِيابُ الخَلْقِ إِلَيْكُمْ وَحِسابُهُمْ عَلَيْكُمْ وَفَصْلُ الخِطابِ عِنْدَكُمْ وَآياتُ اللّهِ لَدَيْكُمْ وَعَزائِمُهُ فِيكُمْ وَنُورُهُ وَبُرْهانُهُ عِنْدَكُمْ وَأَمْرُهُ إِلَيْكُمْ.

 

مَنْ وَالاكُمْ فَقَدْ وَالى اللّهَ وَمَنْ عاداكُمْ فَقَدْ عادى اللّهَ وَمَنْ أَحَبَّكُمْ فَقَدْ أَحَبَّ اللّهُ وَمَنْ أَبْغَضَكُمْ فَقَدْ أَبْغَضَ اللّهُ وَمَنْ اعْتَصَمَ بِكُمْ فَقَدْ اعْتَصَمَ بِاللّهِ، أَنْتُمُ الصِّراطُ الأقْوَمُ وَشُهَداءُ دارِ الفَناءِ وَشُفَعاءُ دارِ البَقاءِ وَالرَّحْمَةُ المَوْصُولَةُ وَالآيَةُ المَخْزُونَةُ وَالأَمانَةُ المَحْفُوظَةُ وَالبابُ المُبْتَلى بِهِ النَّاسُ، مَنْ أَتاكُمْ نَجا وَمَنْ لَمْ يَأْتِكُمْ هَلَكَ إِلى اللّهِ تَدْعُونَ وَعَلَيْهِ تُدُلُّونَ وَبِهِ تُؤْمِنُونَ وَلَهُ تُسَلِّمُونَ وَبِأَمْرِهِ تَعْمَلُونَ وَإِلى سَبِيلِهِ تُرْشِدُونَ وَبِقَوْلِهِ تَحْكُمُونَ، سَعَدَ مَنْ وَالاكُمْ وَهَلَكَ مَنْ عاداكُمْ وَخابَ مَنْ جَحَدَكُمْ وَضَلَّ مَنْ فارَقَكُمْ وَفازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ وَأمِنَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكُمْ وَسَلِمَ مَنْ صَدَّقَكُمْ وَهُدِيَ مَنْ اعْتَصَمَ بِكُمْ. مَنِ اتَّبَعَكُمْ فَالجَنَّةُ مَأْواهُ وَمَنْ خالَفَكُمْ فَالنَّارُ مَثْواهُ، وَمَنْ جَحَدَكُمْ كافِرٌ وَمَنْ حارَبَكُمْ مُشْرِكٌ وَمَنْ رَدَّ عَلَيْكُمْ فِي أَسْفَلِ دَرَكٍ مِنَ الجَّحِيمِ.

 

أَشْهَدُ أَنَّ هذا سابِقٌ لَكُمْ فِيما مَضى وَجارٍ لَكُمْ فِيما بَقِيَ وَأَنَّ أَرْواحَكُمْ وَنُورَكُمْ وَطِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ طابَتْ وَطَهُرَتْ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، خَلَقَكُمُ اللّهُ أَنْوارا فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحَدِّقِينَ حَتّى مَنَّ عَلَيْنا بِكُمْ فَجَعَلَكُمْ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ، وَجَعَلَ صَلاتَنا عَلَيْكُمْ وَما خَصَّنا بِهِ مِنْ وِلايَتِكُمْ طِيبا لِخَلْقِنا وَطَهارَةً لأَنْفُسِنا وَتَزْكِيَةً لَنا وَكُفَّارَةً لِذُنُوبِنا، فَكُنَّا عِنْدَهُ مُسَلِّمِينَ بِفَضْلِكُمْ

 

وَمَعْرُوفِينَ بِتَصْدِيقِنا إِيّاكُمْ، فَبَلَغَ اللّهُ بِكُمْ أَشْرَفَ مَحَلِّ المُكَرَّمِينَ وَأَعْلى مَنازِلَ المُقَرَّبِينَ وَأَرْفَعَ

 

دَرَجاتِ المُرْسَلِينَ حَيْثُ لا يَلْحَقُهُ لاحِقٌ وَلا يَفُوقُهُ فائِقٌ وَلا يَسْبِقُهُ سابِقٌ وَلا يَطْمَعُ فِي إِدْراكِهِ طامِعٌ، حَتّى لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيُّ مُرْسَلٌ وَلا صِدِّيقٌ وَلا شَهِيدٌ، وَلا عالِمٌ وَلا جاهِلٌ وَلا دَنِيُّ وَلا فاضِلٌ وَلا مُؤْمِنٌ وَلا صالِحٌ وَلا فاجِرٌ طالِحٌ وَلا جَبّارٌ عَنِيدٌ وَلا شَيْطانٌ مُرِيدٌ وَلا خَلْقٌ فِيما بَيْنَ ذلِكَ شَهِيدٌ إِلا عَرَّفْهُمْ جَلالَةَ أَمْرِكُمْ وَعِظَمَ خَطَرِكُمْ وَكِبَرَ شَأْنِكُمْ وَتَمامَ نُورِكُمْ وَصِدْقَ مَقاعِدِكُمْ وَثَباتَ مَقامِكُمْ وَشَرَفَ مَحَلِّكُمْ وَمَنْزِلَتِكُمْ عِنْدَهُ وَكَرامَتِكُمْ عَلَيْهِ وَخاصَّتِكُمْ لَدَيْهِ وَقُرْبَ مَنْزِلَتِكُمْ مِنْهُ.

 

بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَأَهْلِي وَمالِي وَأُسْرَتِي، أُشْهِدُ اللّهَ وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي مُؤْمِنٌ بِكُمْ وَبِما آمَنْتُمْ بِهِ كافِرٌ بِعَدُوِّكُمْ وَبِما كَفَرْتُمْ بِهِ مُسْتَبْصِرٌ بِشَأْنِكُمْ وَبِضَلالَةِ مَنْ خالَفَكُمْ مُوالٍ لَكُمْ وَلاَوْلِيائِكُمْ مُبْغِضٌ لاَعْدائِكُمْ وَمُعادٍ لَهُمْ، سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ مُحَقِّقٌ لِما حَقَّقْتُمْ مُبْطِلٌ لِما أَبْطَلْتُمْ مُطِيعٌ لَكُمْ عارِفٌ بِحَقِّكُمْ مُقِرُّ بِفَضْلِكُمْ مُحْتَمِلٌ لِعِلْمِكُمْ مُحْتَجِبٌ بِذِمَّتِكُمْ مُعْتَرِفٌ بِكُمْ مُؤْمِنٌ بِإِيابِكُمْ مُصَدِّقٌ بِرَجْعَتِكُمْ مُنْتَظِرٌ لاَمْرِكُمْ مُرْتَقِبٌ لِدَوْلَتِكُمْ، آخِذٌ بِقَوْلِكُمْ عامِلٌ بَأْمِركُمْ مُسْتَجِيرٌ بِكُمْ زائِرٌ لَكُمْ لائِذٌ عائِذٌ بِقُبُورِكُمْ مُسْتَشْفِعٌ إِلى اللّهِ عَزَّوَجَلَّ بِكُمْ وَمُتَقَرَّبٌ بِكُمْ إِلَيْهِ وَمُقَِّدمُكُمْ أمامَ طَلِبَتِي وَحَوائِجِي وَإِرادَتِي فِي كُلِّ أحْوالِي وَأُمُورِي، مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلانِيَتِكُمْ وَشاهِدِكُمْ وَغائِبِكُمْ وَأَوَّلِكُمْ وَآخِرِكُمْ وَمُفَوِّضٌ فِي ذلِكَ كُلِّهِ إِلَيْكُمْ وَمُسَلِّمٌ فِيهِ مَعَكُمْ، وَقَلْبِي لَكُمْ مُسَلِّمٌ وَرأيِي لَكُمْ تَبَعٌ وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتّى يُحْيِي اللّهُ تَعالى دِينَهُ بِكُمْ وَيَرُدَّكُمْ فِي أَيَّامِهِ وَيُظْهِرَكُمْ لِعَدْلِهِ وَيُمَكِّنَكُمْ فِي أَرْضِهِ ؛

 

فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ غَيْرِكُمْ آمَنْتُ بِكُمْ وَتَوَلَّيْتُ آخِرَكُمْ بِما تَوَلَّيْتُ بِهِ أَوَّلَكُمْ وَبَرِئْتُ إِلى اللّهِ عَزَّوَجَلَّ مِنْ أَعْدائِكُمْ، وَمِنَ الجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَالشَّياطِين وَحِزْبِهِمُ الظَّالِمِينَ لَكُمْ الجاحِدِينَ لِحَقِّكُمْ وَالمارِقِينَ مِنْ وِلايَتِكُمْ وَالغاصِبِينَ لاِرْثِكُمْ الشَّاكِّينَ فِيكُمْ المُنْحَرِفِينَ عَنْكُمْ وَمِنْ كُلِّ وَلِيجَةٍ دُونَكُمْ وَكُلِّ مُطاعٍ سِواكم، وَمِنَ الاَئِمَّةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلى النَّارِ. فَثَبَّتَنِي اللّهُ أَبَدا ما حَيِيْتُ عَلى مُوالاتِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ وَوَفَّقَنِي لِطاعَتِكُمْ وَرَزَقَنِي شَفاعَتَكُمْ وَجَعَلَنِي مِنْ خِيارِ مَوالِيكُمْ التَّابِعِينَ لِما دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ، وَجَعَلَنِي مِمَّنْ يَقْتَصُّ آثارَكُمْ وَيَسْلُكُ سَبِيلَكُمْ وَيَهْتَدِي بِهُداكُمْ وَيُحْشَرُ فِي زُمْرَتِكُمْ وَيَكِرُّ فِي رَجْعَتِكُمْ وَيُملَّكُ فِي دَوْلَتِكُمْ وَيُشَرَّفُ فِي عافِيَتِكُمْ وَيُمَكَّنُ فِي أَيّامِكُمْ وَتَقِرُّ عَيْنُهُ

 

غَدا بِرُؤْيَتِكُمْ. بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَنَفْسِي وَأَهْلِي وَمالِي، مَنْ أَرادَ اللّهَ بَدَأَ بِكُمْ وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ، مَوالِيَّ لا أُحْصِي ثَنأَكُمْ وَلا أَبْلُغُ مِنَ المَدْحِ كُنْهَكُمْ وَمِنَ الوَصْفِ قَدْرَكُمْ وَأنْتُمْ نُورُ الأخْيارِ وَهُداةُ الأَبْرارِ وَحُجَجُ الجَبَّارِ، بِكُمْ فَتَحَ اللّهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الغَيْثَ وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأَرْضِ إِلا بِإذْنِهِ وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الهَمَّ وَيكشف الضُّرَّ، وَعِنْدَكُمْ ما نَزَلَتْ بِهِ رُسُلُهُ وَهَبَطَتْ بِهِ مَلائِكَتُهُ وَإِلى جَدِّكُمْ (وإن كانت الزيارة لأمير المؤمنين(ع) فعوض : وإلى جدّكم قل : وإلىْ أخِيكَ) بُعِثَ الرُّوحُ الأَمِينُ.

 

آتاكُمُ اللّهُ ما لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العالَمِينَ، طَأْطَأَ كُلُّ شَرِيفٍ لِشَرَفِكُمْ وَبَخَعَ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ لِطاعَتِكُمْ

 

وَخَضَعَ كُلُّ جَبَّارٍ لِفَضْلِكُمْ وَذَلَّ كُلُّ شَيٍْ لَكُمْ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِكُمْ وَفازَ الفائِزُونَ بِوِلايَتِكُمْ، بِكُمْ يُسْلَكُ إِلى الرِّضْوانِ وَعَلى مَنْ جَحَدَ وِلايَتَكُمْ غَضَبُ الرَّحْمنِ. 

 

بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَنَفْسِي وَأَهْلِي وَمالِي، ذِكْرُكُمْ فِي الذَّاكِرِينَ وَأسْماؤُكُمْ فِي الأسْماءِ وَأَجْسادُكُمْ فِي الأَجْسادِ وَأَرْواحُكُمْ فِي الارْواحِ وَأَنْفُسُكُمْ فِي النُّفُوسِ وَآثارُكُمْ فِي الآثارِ وَقُبُورُكُمْ فِي القُبُورِ؛ فَما أَحْلى أَسْمائَكُمْ وَأَكْرَمَ أَنْفُسَكُمْ وَأَعْظَمَ شَأْنَكُمْ وَأجَلَّ خَطَرَكُمْ وَأَوْفى عَهْدَكُمْ وَأَصْدَقَ وَعْدَكُمْ ! كَلامُكُمْ نُورٌ وَأَمْرُكُمْ رُشْدٌ وَوَصِيَّتُكُمْ التَّقْوى وَفِعْلُكُمْ الخَيْرُ وَعادَتُكُمْ الاِحْسانُ وَسَجِيَّتُكُمُ الكَرَمُ وَشَأْنُكُمُ الحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالرِّفْقُ وَقَوْلُكُمْ حُكْمٌ وَحَتْمٌ وَرَأْيُكُمْ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَحَزْمٌ، إِنْ ذُكِرَ الخَيْرُ كُنْتُمْ أَوَّلَهُ وَأصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَمَعْدِنَهُ وَمَأْواهُ وَمُنْتَهاهُ.

 

بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَنَفْسِي، كَيْفَ أَصِفُ حُسْنَ ثَنائِكُمْ وَأُحْصِي جَمِيلَ بَلائِكُمْ وَبِكُمْ أَخْرَجَنا اللّهُ مِنَ الذُّلِّ وَفَرَّجَ عَنّا غَمَراتِ الكُرُوبِ وَأَنْقَذَنا مِنْ شَفا جُرُفِ الهَلَكاتِ وَمِنَ النَّارِ ؟! بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي وَنَفْسِي بِمُوالاتِكُمْ عَلَّمَنا اللّهُ مَعالِمَ دِينِنا وَأَصْلَحَ ما كانَ فَسَدَ مِنْ دُنْيانا وَبِمُوالاتِكُمْ تَمَّتِ الكَلِمَةُ وَعَظُمَتِ النِّعْمَةُ وَائْتَلَفَتِ الفُرْقَةُ وَبِمُوالاتِكُمْ تُقْبَلُ الطَّاعَةُ المُفْتَرَضَةُ، وَلَكمْ المَوَدَّةُ الواجِبَةُ وَالدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ وَالمَقامُ المَحْمُودُ  وَالمَكانُ المَعْلُومُ عِنْدَ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ وَالجاهُ العَظِيمُ وَالشَأْنُ الكَبِيرُ وَالشَّفاعَة‌ُ المَقْبُولَةُ.

 

رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ، سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا.

 

يا وَلِيَّ اللّهِ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ ذُنُوبا لا يَأْتِي عَلَيْها إِلا رِضاكُمْ فَبِحَقِّ مَنْ ائْتَمَنَكُمْ عَلى سِرِّهِ وَاسْتَرْعاكُمْ أمْرَ خَلْقِهِ وَقَرَنَ طاعَتَكُمْ بِطاعَتِهِ، لَمَّا اسْتَوْهَبْتُمْ ذُنُوبِي وَكُنْتُمْ شُفَعائِي فَإِنِّي لَكُمْ مُطِيعٌ ؛ مَنْ أَطاعَكُمْ فَقَدْ أَطاعَ اللّهُ وَمَنْ عَصاكُمْ فَقَدْ عَصى اللّهُ وَمَنْ أَحَبَّكُمْ فَقَدْ أَحَبَّ اللّهُ وَمَنْ أَبْغَضَكُمْ فَقَدْ أَبْغَضَ اللّهُ.

 

اللّهُمَّ إِنِّي لَوْ وَجَدْتُ شُفَعاءً أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الأَخْيارِ الأَئِمَّةِ الأَبْرارِ لَجَعَلْتَهُمْ شُفَعائِي، فَبِحَقِّهِمْ الَّذِي أَوْجَبْتَ لَهُمْ عَلَيْكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي جُمْلَةِ العارِفِينَ بِهِمْ وَبِحَقِّهِمْ وَفِي زُمْرَةِ المَرْحُومِينَ بِشَفاعَتِهِمْ إِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ كَثِيرا وَحَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلِ )).

 

تلامذة الإمام (عليه السلام):

 

إنّ جَوَّ الاضطهاد والظّلم الّذي عاشه الإمام (عليه السلام) قد جعل امكانيّة الانتفاع من الإمام محدودة جدّاً، ولكنّه مع ذلك استطاع بعض المشتاقين لمعارف القرآن وأهل البيت(عليهم السلام) ان يكسبوا من فيض الإمام الهادي (عليه السلام) بمقدار سعة وجودهم، وان يرتفعوا الى الدّرجات الرّاقية من الإيمان والمعرفة. وقد سمّى الشّيخ الطّوسي (85) شخصاً من الّذين رووا عن الإمام الهادي (عليه السلام)، ونلاحظ بينهم شخصيّات لامعة، ونحن هنا نتعرّض لذكر بعضهم باختصار:

 

1 ـ عبد العظيم الحسني:

 

كان من كبار الرّواة والعلماء، وله مقام رفيع في الزّهد والتّقوى، وقد ادرك بعض الاصحاب الكبار للإمام السّادس والإمام السّابع والإمام الثّامن(عليهم السلام)، وهو يُعدّ من أنجب تلامذة الإمامين الجواد والهادى (عليهما السلام) ومن أشهر الرّواة عنهما.

 

يقول الصّاحب بن عبّاد: كان عبد العظيم الحسني عارفاً بشؤون الدّين ومطلعاً على المسائل الدّينية واحكام القرآن(1).

 

ويقول ابو حمّاد الرّازي: ذهبت الى مجلس الإمام الهادي (عليه السلام) وسألته عن بعض المسائل، ولمّا اردت الانصراف قال لي الإمام(عليه السلام): كلّما حدثت لك مشكلة فاسأل عنها عبد العظيم الحسني وابلغه سلامي(2).

 

وقد ارتفع في مدارج الايمان والمعرفة الى الحدّ الّذي قال له الإمام الهادي (عليه السلام):

 

«أنت وليّنا حقّاً»(3).

 

قال عبد العظيم بن عبد الله الحسني: «دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد (الهادي) بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) فلَّما بصرني قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّاً، قال: فقلت له: يابن رسول الله انّي أريد أن أعرض عليك ديني فان كان مرضيّاً ثبتّني عليه حتّى القى الله عزّ وجلّ، فقال: هات يا أبا القاسم، فقلت: إنّي أقول: إن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء خارج من الحدّين حدّ الإبطال وحدّ التّشبيه، وانه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجّسم الأجسام ومصوّر الصّور وخالق الاعراض والجواهر وربّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه، وانّ محمّداً عبده ورسوله خاتم النبيين، فلا نبيّ بعده الى يوم القيامة وانّ شريعته خاتمة الشّرائع فلا شريعة بعدها الى يوم القيامة، وأقول انّ الإمام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ عليّ بن الحسين ثمّ محمّد بن عليّ ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ثمّ محمّد بن علي ثمّ أنت يا مولاي، فقال عليّ (عليه السلام) ومن بعده الحسن ابني فكيف للنّاس بالخلف من بعده؟

 

قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي ؟ قال لانّه لا يرى شخصه ولا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، قال فقلت: اقررت وأقول انّ وليّهم وليّ الله وعدوّهم عدوّ الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله، واقول انّ المعراج حقّ والمسألة في القبر حقّ وَاَنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ والصّراط حقّ والميزان حقّ وان السّاعة آتية لا ريب فيها وانّ الله يبعث من في القبور، واقول انّ الفرائض الواجبة بعد الولاية الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

 

فقال علي بن محمّد (عليه السلام): يا أبا القاسم هذا والله دين الله الّذي ارتضاه لعباده فاثبت عليه أثبتك الله بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة»(4).

 

وكما يبدو من التّاريخ والرّوايات فانّ عبد العظيم (عليه السلام) قد تعرّض لمطاردة حكومة زمانه ففرّ الى ايران ليصون نفسه من الخطر واختفى في مدينة الرّي، ونقرأ في تاريخ حياته:

 

«كان عبد العظيم ورد الرّيّ هارباً من السّلطان وسكن سَرَباً في دار رجل من الشّيعة في سكّة الموالي وكان يعبد الله في ذلك السّرَب (حفيرة تحت الأرض) ويصوم نهاره ويقوم ليله وكان يخرج مستتراً فيزور القبر المقابل قبره وبينهما الطّريق ويقول هو قبر رجل من ولد موسى (عليه السلام). فلم يزل يأوي إلي ذلك السّراب ويقع خبره الى واحد بعد واحد من شيعة آل محمّد(عليهم السلام) حتّى عرفه اكثرهم، فرأى رجل من الشّيعة في المنام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له ان رجلا من ولدي يحمل من سكّة الموالي ويدفن عند شجرة التّفاح في باغ عبد الجبّار بن عبد الوهّاب، واشار الى المكان الّذي دفن فيه، فذهب الرّجل ليشتري الشّجرة والمكان من صاحبها، فقال لأيّ شيء تطلب الشّجرة ومكانها؟ فأخبره الرّؤيا، فذكر صاحب الشّجرة انّه كان رأى مثل هذه الرّؤيا وانه قد جعل موضع الشّجرة مع جميع الباغ وقفاً على القبر الشّريف والشّيعة يدفنون فيه.

 

فمرض عبد الظيم ومات (رحمه الله) فلمّا جرّد ليغسل وجد في جيبه رقعة فيها ذكر نسبه»(5).

 

وقد حدثت وفاة عبد العظيم في مرحلة الإمام الهادي (عليه السلام)، ويمكننا ان نتعرّف على علوّ شخصيّته الإلهيّة من خلال هذه الرّواية التي ينقلها محمّد بن يحيى العطّار:

 

سأل الإمام الهادي (عليه السلام) رجلاً من أهالي مدينة الري جاءه زائراً فقال له: اين كنت؟

 

قال: كنت ذاهباً الى زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، فقال له الإمام: كن على علم بأنّك لوزرت قبر عبد العظيم الموجود في مدينتكم لكنت كمن زار قبر الإمام الحسين (عليه السلام)(6).

 

ويُعدّ عبد العظيم من أوثق علماء الشّيعة ورواتهم في زمان الأئمّة(عليهم السلام)، وقد كان من جملة المؤلّفين أيضاً، ونُقل انه ألّف كتابا حول خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتاباً آخر يُسّمى بـ«اليوم واللّيلة »(7).

 

 

 

الحسين بن سعيد الاهوازي:

 

وهو من أصحاب الإمام الرّضا والإمام الجواد والإمام الهادي (عليهم السلام) وقد نقل الأحاديث عن جميع هؤلاء الكرام، وهو في الأصل من أهالي الكوفة، ولكنّه انتقل مع اخيه الى الاهواز ثمّ جاء من هناك الى قم، وفي قم رحل عن هذا العالم.

 

والمعروف ان الحسين بن سعيد ألّف ثلاثين كتاباً في الفقه والاداب والاخلاق، وكتبه مشهورة متداولة بين العلماء، وكما يقول المرحوم المجلسي الاوّل: يلاحظ اتّفاق العلماء على وثاقته والعمل برواياته. ويقول في حقّه العلاّمة: انّه محلّ وثوق وهو من اعيان العلماء وكان جليل القدر.

 

يقول المرحوم الشّيخ الطّوسي:

 

ان الحسين بن سعيد علاوة على مقامه العلميّ قد كان يبذل غاية جهده في إرشاد النّاس وهدايتهم، ولهذا فقد أوصل اسحاق بن ابراهيم الحضيني وعليّ بن ريّان الى الإمام الرّضا (عليه السلام)، فكان السّبب في تعرّفهم على المذهب الحقّ وهو التّشيّع. وكانوا يسمعون منه الأحاديث وقد اطّلَعوا على المعارف بسبب خدماته. واوصل عبد الله بن محمّد الحضيني وغيره ايضاً الى الإمام الرّضا (عليه السلام) فكان هذا فاتحة خير لهم حيث اطّلعوا على المعارف الإسلاميّة ووصلوا الى مقامات رفيعة وادّوا خدمات إسلاميّة جليلة(8).

 

 

 

الفضل بن شاذان النّيشابوري:

 

كان رجلاً عظيماً ومورداً للاعتماد وفقيها كبيراً ومتكلّماً متضلّعاً. وقد ادرك مجموعة من كبار أصحاب الأئمّة، من قبيل محمّد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى، وعاشرهم ما يناهز الخمسين عاماً، وانتفع بمعاشرتهم كما يقول هو: عندما توفّي هشام بن الحكم اصبح خليفته يونس بن عبد الرّحمان، وعندما توفّي هذا أصبح خليفة في ردّ المخالفين السكّاك، وأمّا الان فأنا خليفتهم(9).

 

ويعدّه المرحوم الشّيخ الطّوسي من جملة أصحاب الإمام الهادي والإمام العسكري (عليهما السلام)، وقد عدّه بعضُ علماء الرّجال من جملة أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام) مع انّهم اعتبروه ضمن اتباع الإمام الجواد والإمام العسكري (عليهما السلام) ايضاً(10).

 

وقد ألّف الفضل بن شاذان كتباً كثيرة بحيث قال البعض انها تصل الى مائة وثمانين كتابا، ومن جملتها كتاب «الايضاح» الّذيّ هو في علم الكلام وتحليل عقائد اصحاب الحديث، وقد طبعته جامعة طهران في عام «1392» هجري قمري.

 

واهتمّ العلماء الكبار بأقوال وآثار الفضل بن شاذان، وكان العلماء يكتفون بقوله في ردّ أو قبول الرّواة. وأولى المرحوم الكليني عناية خاصّة لبعض كلماته وآرائه في كتاب الكافي. واهتّم بها كثيراً المرحوم الصّدوق والشّيخ الطّوسي كذلك.

 

يقول مؤلّف كتاب «جامع الرّواة»:

 

«فانّه رئيس طائفتنا (نحن الشّيعة) اجلّ أصحابنا الفقهاء والمتكلّمين وله جلالة في هذه الطّائفة وهو في قدره اشهر من ان نصفه. متكلّم فقيه جليل القدر له كتب ومصنّفات، روى الكشّي عن الملقّب بتورا من أهل بوزجان من نيشابور انّ أبا محمّد الفضل بن شاذان كان وجهّه الى العراق فذكر انه دخل على أبي محمّد (الإمام الحادي عشر) (عليه السلام) فلمّا أراد أن يخرج سقط عنه كتاب، وكان من تصنيف الفضل، فتناوله أبو محمّد (عليه السلام) ونظر فترحّم عليه وذكر انه قال اغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهركم(11).

 

وفي رواية اخرى ان كتاب «اليوم واللّيلة» (وهو احد كتبه) «عرض على أبي محمّد العسكري (عليه السلام) فترّحم عليه ثلاثاً وقال: انّه صحيح ينبغي ان يعمل به»(12).

 

ويقول الشهيد الكبير القاضي نور الله الشّوشتري فيما يتعلّق بالفضل بن شاذان:

 

كان من اكبر المتكلّمين وافضل المفسّرين والمحدّثين واعظم واشرف الفقهاء والمجتهدين واعيان القرأء والنّحاة واللّغويين...(13)

 

كان الفضل بن شاذان يعيش في نيشابور ثمّ نفاه منها الى بيهق أمير خراسان عبد الله بن طاهر بذنب التشيّع.

 

وعندما هاج الخوارج في خراسان فقد اضطّر الفضل للخروج منها صوناً للنّفس، واتعبه الطّريق فألّم به المرض وفارق الحياة الدّنيا في أيّام إمامة الإمام العسكري (عليه السلام) ودفن في نيشابور القديمة، ويقع قبره حاليّاً على بُعد فرسخ واحد من نيشابور الفعليّة، وهو مزار للشّيعة يتبرّكون بقبره(14).

--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) ـ عبد العظيم الحسني: ص 31.

 

(2) ـ عبد العظيم الحسني: ص 24.

 

(3) ـ الامالي للصدوق: ص 204، المجلس (54).

 

(4) ـ الامالي الصدوق: ص 204، المجلس (54).

 

(5) ـ جامع الرواة، الجزء الاوّل: ص 460.

 

(6) ـ عبد العظيم الحسني: ص 63.

 

(7) ـ عبد العظيم الحسني: ص 63.

 

(8) ـ تنقيح المقال: ج 1 ص 329، كتاب اختيار معرفة الرجال: ص 551.

 

(9) ـ منتهى المقال: ص 242، مقدمة كتاب الايضاح: ص 3، طبعة جامعة طهران.

 

(10) ـ مقدّمة الايضاح: ص 9 وص 86.

 

(11) ـ جامع الرواة: ج 2 ص 5.

 

(12) ـ منتهى المقال: ص 24، مقدمة الايضاح: ص 87.

 

(13) ـ مقدمة الايضاح: ص 2.

 

(14) ـ منتهى المقال: ص 242، مقدمة الايضاح: ص 48 ـ 52.

 

مقتطفات من كلام الإمام الهادي (عليه السلام):

 

وفي خاتمة المطاف نبترّك بنقل كلمات من هذا الإمام العظيم للتّمسّك بولايته وتهذيب النّفس بأحاديثه:

 

1 ـ ينقل الإمام (عليه السلام) عن آبائه الكرام انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «... الايمان ما وقرته القلوب وصدّقته الاعمال، والإسلام ما جرى به اللّسان وحلّت به المناكحة»(1).

 

2 ـ «من رضي عن نفسه كثر السّاخطون عليه»(2).

 

3 ـ «الهَزْلُ فكاهة السّفهاء وصناعة الجهال»(3).

 

4 ـ «من جمع لك ودّه ورأيه فاجمع له طاعتك»(4).

 

5 ـ «من هانت عليه نفسه فلا تأمن شرّه»(5).

 

6 ـ «الدّنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون»(6).

 

7 ـ «من اتّقى الله يُتّقى، ومن أطاع الله يطاع، ومن أطاع الخالق لم يبال سخط المخلوقين»(7).

 

8 ـ «انّ الظالم الحالم يكاد ان يُعفى على ظلمه بحلمه»(8).

 

9 ـ «انّ المحقّ السّفيه يكاد ان يطفىء نور حقّه بسفهه»(9).

--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) ـ مروج الذهب: ج 4 ص 85.

 

(2) و(68) ـ الأنوار البهيّة: ص 143.

 

(4) ـ تحف العقول: طبعة بيروت: ص 358.

 

(5) و(72) ـ تحف العقول، طبعة بيروت: ص 358.

 

(7) ـ تحف العقول، طبعة بيروت: ص 357.

 

(8) ـ تحف العقول، طبعة بيروت: ص 358.

 

(9) ـ تحف العقول، طبعة بيروت: ص 358.

 

عوده